كشفت مصادر مطلعة عن وجود خلافات داخل دوائر القيادة في الجيش السوداني بشأن كيفية التعامل مع اللواء المنشق عن قوات الدعم السريع النور القبة، وسط تباينات بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقيادات عسكرية موالية للحركة الإسلامية، لا سيما موقف الفريق ياسر العطا، قائد هيئة الأركان، بشأن لقاء النور القبة ومستقبله بعد انشقاقه وظهوره العلني إلى جانب ضباط يتبعون للاستخبارات العسكرية لحظة استقباله، الشهر الماضي، بمدينة الدبة في الولاية الشمالية.
وبحسب مصادر أفادت «عين الحقيقة»، فإن حالة من الغضب سادت وسط أنصار الجيش والقوات المشتركة وكتائب البراء بن مالك عقب المؤتمر الصحفي الذي ظهر فيه النور القبة، الأسبوع الماضي، بعد وصوله إلى الخرطوم، خاصة بعد حديثه المباشر عن وجود قائد الدعم السريع داخل إقليم دارفور وتحركاته وسط قواته، الأمر الذي نسف ـ وفق مراقبين ـ الرواية التي ظلت تروج لها المنصات والغرف الإعلامية التابعة للحركة الإسلامية بشأن مصير قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو منذ اندلاع حرب أبريل 2023.
إلى ذلك، قالت المصادر لـ«عين الحقيقة» إن ياسر العطا رفض بشكل قاطع استقبال النور القبة أو عقد أي اجتماع معه، رغم تدخلات ومحاولات متعددة قامت بها جهات داخل المؤسسة العسكرية لترتيب لقاء بين الطرفين خلال الأيام الماضية.
وأضافت المصادر أن العطا عبّر، خلال جلسات مغلقة لقيادات الجيش، عن رفضه منح أي شرعية سياسية أو عسكرية لقيادات كانت جزءًا من قوات الدعم السريع، معتبرًا أن استضافة شخصيات ارتبطت بالقتال ضد الجيش تمثل إهانة معنوية للجنود الذين ظلوا يقاتلون ضد الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، كما قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية جديدة داخل قيادة الجيش السوداني.
ورغم موقف العطا، تمكن النور القبة، فور وصوله، من لقاء قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى جانب رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، وعدد من ضباط الجيش المقربين من البرهان، قبل أن يظهر بصورة علنية برفقة ضباط من استخبارات الجيش في مؤتمر صحفي أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط العسكرية والسياسية.
وأفادت مصادر ميدانية مطلعة لـ«عين الحقيقة» أن ظهور النور القبة بتلك الصورة كشف عن وجود تيارين داخل القيادة العسكرية؛ أحدهما يرى ضرورة الاستفادة من الانشقاقات داخل الدعم السريع لإضعافه عسكريًا وإعلاميًا، بينما يعتبر التيار الآخر أن استيعاب قادة ميدانيين كانوا جزءًا من الحرب ضد الجيش يمثل مخاطرة سياسية وأمنية قد ترتد على الجيش مستقبلًا.
كما أكدت المصادر أن التباين بين البرهان والعطا دفع قيادة الجيش إلى تجنب إصدار أي توضيحات رسمية بشأن الوضع القانوني أو العسكري للنور القبة، في ظل حالة ارتباك داخل مراكز القرار حول كيفية التعامل معه، وما إذا كان سيُدمج ضمن ترتيبات عسكرية جديدة أم سيظل مجرد ورقة استخباراتية مؤقتة.
وفي محاولة لاحتواء غضب أنصار الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، إضافة إلى الإعلاميين والصحفيين الموالين لها، أطلق عبد الفتاح البرهان تصريحات خلال مخاطبته مصلين بمسجد في حي الدروشاب بمدينة الخرطوم بحري، قال فيها إن الجيش لن يحمي أي شخص تلطخت يداه بدماء السودانيين، مستدركًا” أن الشعب هو صاحب القرار تجاه هؤلاء.
ورأى مراقبون أن حديث البرهان جاء بمثابة محاولة للتنصل من أي التزامات مباشرة تجاه المنشقين عن الدعم السريع، بعد موجة الانتقادات التي رافقت ظهور النور القبة إلى جانب ضباط الجيش.
ويُعد اللواء النور أحمد آدم «النور القبة» من أبرز القادة الميدانيين الذين برزت أسماؤهم في دارفور خلال سنوات الحرب. وتشير معلومات متداولة إلى أنه بدأ نشاطه العسكري ضمن قوات حرس الحدود التي نشطت في الإقليم خلال سنوات النزاع الأولى، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى القوات التي تطورت فيما بعد إلى قوات الدعم السريع.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسم النور القبة بعدد من العمليات العسكرية في دارفور وكردفان، كما ظل حاضرًا في المشهد الميداني خلال الحرب الأخيرة بين الجيش والدعم السريع، الأمر الذي جعله من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل داخل الأوساط العسكرية السودانية.
وقال خبير أمني فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن الخلافات حول النور القبة تعكس أزمة ثقة حقيقية داخل المؤسسة العسكرية تجاه القيادات المنشقة عن الدعم السريع، مشيرًا إلى أن بعض دوائر الجيش تنظر إلى هذه الانشقاقات باعتبارها تحركات تكتيكية أكثر من كونها تحولات استراتيجية حقيقية.
وأضاف الخبير أن الدفع بالنور القبة إلى واجهة المشهد الإعلامي تم بطريقة متسرعة وغير محسوبة، موضحًا أن ظهوره الرسمي إلى جانب ضباط الجيش خلق انطباعًا واسعًا بوجود محاولات لإعادة تدوير قادة الحرب بدلًا من إخضاعهم للمحاسبة.
وأكد أن الأزمة الحالية تتجاوز شخص النور القبة نفسه، وتمتد إلى صراع أوسع داخل قيادة الجيش حول شكل التحالفات المقبلة وطبيعة المرحلة السياسية والعسكرية القادمة، في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة المرتبطة بالحرب والانتهاكات.
وفي واقع الأمر، يرى مراقبون أن قضية النور القبة كشفت حجم التناقض داخل خطاب المؤسسة العسكرية السودانية؛ ففي الوقت الذي يواصل فيه قادة الجيش مهاجمة الدعم السريع واتهامه بارتكاب انتهاكات واسعة، تظهر، في المقابل، محاولات لاحتواء بعض قادته المنشقين وإعادة تقديمهم باعتبارهم حلفاء جدد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول العدالة والمحاسبة ومستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في السودان بعد الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.