التوازنات داخل المؤسسة العسكرية: هل يتزايد حضور التيارات الأيديولوجية بين الضباط الجدد؟
تقرير: عين الحقيقة
أثارت تقديرات متداولة في الأوساط السياسية والإعلامية السودانية جدلًا واسعًا بعد الحديث عن ارتفاع نسبة الضباط الجدد المنتمين أو القريبين من تيارات إسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وسط مخاوف من تأثير ذلك على طبيعة الجيش ودوره المهني في المستقبل. وتشير هذه التقديرات، التي يصعب التحقق منها بشكل مستقل في ظل غياب بيانات رسمية مفصلة، إلى أن نسبة ملحوظة من الضباط الذين التحقوا بالمؤسسة العسكرية خلال السنوات الأخيرة لديهم ارتباطات فكرية أو تنظيمية بتيارات محسوبة على الحركة الإسلامية. ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول تأثير “التمكين السياسي” داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش والأجهزة الأمنية.
اتُّهم النظام السابق بتعزيز الولاء السياسي والأيديولوجي داخل المؤسسات النظامية، عبر سياسات الإحلال والفصل وإعادة التعيين، وهي سياسات يقول محللون إنها تركت آثارًا ممتدة حتى بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019.
إرث طويل من التسييس
منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في السودان عام 1989، شهدت المؤسسة العسكرية تحولات عميقة شملت إعادة هيكلة واسعة، وإحلال عناصر جديدة في مواقع مختلفة داخل الجيش والأجهزة الأمنية. وخلال تلك المرحلة، اتُّهم النظام السابق بتعزيز الولاء السياسي والأيديولوجي داخل المؤسسات النظامية، عبر سياسات الإحلال والفصل وإعادة التعيين، وهي سياسات يقول محللون إنها تركت آثارًا ممتدة حتى بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019. ويقول الباحث في الشؤون العسكرية، اللواء المتقاعد عبد المنعم إبراهيم: “أي مؤسسة عسكرية تتأثر على المدى الطويل عندما تصبح معايير الانتماء السياسي جزءًا من عملية الاختيار والترقي”.
الحرب الحالية أعادت الملف إلى الواجهة
مع استمرار الحرب في السودان، عاد الجدل حول طبيعة التكوين الداخلي للمؤسسة العسكرية، ودور التيارات السياسية والأيديولوجية داخلها. ويرى مراقبون أن تصاعد حضور بعض التشكيلات ذات الخطاب الإسلامي التعبوي خلال الحرب الحالية زاد من المخاوف بشأن اتساع النفوذ الأيديولوجي داخل المعسكر العسكري. كما أن الحرب نفسها خلقت بيئة سمحت بصعود مجموعات جديدة مرتبطة بالتعبئة الدينية أو السياسية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد العسكري. بين العقيدة العسكرية والانتماء السياسي يؤكد خبراء أن قوة أي جيش محترف تعتمد على حياده المؤسسي، وعلى بناء عقيدة عسكرية تستند إلى حماية الدولة والدستور، لا إلى الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية.
لكن في المقابل، يرى محللون أن العقود الماضية في السودان شهدت تداخلًا متزايدًا بين السياسة والمؤسسة العسكرية، ما أضعف الحدود التقليدية بين العمل العسكري والانتماء التنظيمي. ويقول الباحث السياسي محمد الفاتح: “المشكلة لا تكمن فقط في وجود ضباط يحملون أفكارًا سياسية، فهذا موجود في كثير من الدول، بل في تحوّل الانتماء التنظيمي إلى عامل مؤثر في بنية المؤسسة وقراراتها”.
مختصون: استمرار الاستقطاب السياسي داخل المؤسسة العسكرية قد يعرقل أي جهود مستقبلية لإعادة بناء جيش مهني موحد بعد انتهاء الحرب.
مخاوف على مستقبل المؤسسة العسكرية
يحذر مختصون من أن استمرار الاستقطاب السياسي داخل المؤسسة العسكرية قد يعرقل أي جهود مستقبلية لإعادة بناء جيش مهني موحد بعد انتهاء الحرب. كما أن تعدد الولاءات داخل المؤسسات النظامية قد يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، خصوصًا في ظل الانقسامات الحالية. ويرى مراقبون أن أي عملية إصلاح حقيقية ستحتاج إلى إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية، وإبعادها عن الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي.
السودان أمام تحدي إعادة بناء الدولة
تأتي هذه النقاشات في وقت يواجه فيه السودان تحديات هائلة تتعلق بمستقبل الدولة نفسها، بعد سنوات من الصراع والانقسامات والحرب. ويؤكد خبراء أن بناء مؤسسات مهنية ومحايدة سيكون شرطًا أساسيًا لأي انتقال سياسي مستقر، بما في ذلك إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة وطنية جامعة لا ساحة للصراع السياسي. سواء كانت الأرقام المتداولة دقيقة أم لا، فإن الجدل حول طبيعة التكوين الداخلي للمؤسسة العسكرية السودانية يعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة السياسة بالمؤسسات النظامية خلال العقود الماضية. وفي ظل الحرب الحالية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يستطيع السودان بناء جيش مهني بعيد عن الاستقطاب الأيديولوجي، أم أن إرث التسييس سيظل يلقي بظلاله على مستقبل الدولة لسنوات قادمة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.