زيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان: هل يبحث السودان عن السلام عبر الدبلوماسية الروحية أم عن تموضع دولي جديد؟
مهدي داؤد الخليفة
تثير زيارة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى دولة الفاتيكان جملة من التساؤلات السياسية والدبلوماسية المشروعة، خاصة في ظل الحرب المدمرة التي يعيشها السودان، والانهيار الإنساني والسياسي الذي بات يهدد وحدة الدولة ومستقبلها.
فالزيارة، في توقيتها ودلالاتها، لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية عادية، وإنما خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الطابع الديني أو الرمزي، لتفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة التحركات السودانية في هذه المرحلة الحرجة.
فهل يمكن بالفعل أن يكون لهذه الزيارة تأثير سياسي حقيقي يسهم في جهود إنهاء الحرب وإحلال السلام في السودان؟
وهل يملك الفاتيكان، بما يمثله من ثقل روحي وأخلاقي، قدرة على لعب دور مؤثر في واحدة من أكثر أزمات أفريقيا تعقيداً وتشابكاً؟
ثم ما هو الموقع الحقيقي للفاتيكان في معادلات الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية المعاصرة، مقارنة بأدوار قوى دولية وإقليمية أكثر انخراطاً وتأثيراً في الملف السوداني، مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد؟
وهي أطراف تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية وأمنية، فضلاً عن قدرتها على توفير الضمانات اللازمة لتنفيذ أي تسوية أو اتفاق محتمل بين أطراف النزاع.
ولا يخفى على أحد أن دولة الفاتيكان تمثل المركز الروحي والإداري لأكثر من 1.3 مليار كاثوليكي حول العالم، وأن تأثيرها يرتبط أساساً بالقضايا الأخلاقية والإنسانية والدينية، وبالدعوة إلى السلام والعدالة وحقوق الإنسان من منظور روحي وأخلاقي.
كما يمتلك الفاتيكان شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية مع الحكومات الغربية والمنظمات الدولية، وصوتاً معنوياً مؤثراً داخل أوروبا والعالم المسيحي.
غير أن التاريخ السياسي الحديث لا يضع الفاتيكان ضمن القوى الدولية الفاعلة بصورة مباشرة في ملفات الأمن والسلم الدوليين، خاصة في النزاعات المسلحة ذات الطابع الاستراتيجي المعقد، حيث تبقى الكلمة الحاسمة عادة للقوى الكبرى، ولمعادلات النفوذ والمصالح والسلاح.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل قضية السودان اليوم هي في الأساس قضية دينية أو أخلاقية تستدعي تدخلاً روحياً من الفاتيكان، أم أنها أزمة سياسية وعسكرية وأمنية بالدرجة الأولى، تتطلب إرادة داخلية وضغوطاً من القوى الدولية والإقليمية القادرة فعلياً على التأثير في أطراف الحرب؟
فالسودان لا يعيش نزاعاً دينياً أو طائفياً بالمعنى التقليدي، كما أن غالبية سكانه ليسوا من الكاثوليك، الأمر الذي يجعل الزيارة تبدو، في ظاهرها، بعيدة عن مراكز التأثير المباشر في الأزمة السودانية.
لكن، في المقابل، قد تحمل الزيارة أبعاداً أخرى تتجاوز بعدها البروتوكولي أو الديني.
فربما يسعى كامل إدريس إلى توظيف ما يُعرف بـ”الدبلوماسية الأخلاقية” أو “القوة الناعمة الروحية”، عبر محاولة كسر حالة العزلة الدولية، وإعادة إدخال السودان إلى دائرة الاهتمام الإنساني العالمي، بعد أن تحولت الحرب إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
ويبدو أن رئيس الوزراء السوداني يحاول، من خلال هذه الزيارة، فتح نافذة جديدة للتحرك الدولي، وإرسال رسالة بأن السودان لا يبحث فقط عن دعم سياسي أو عسكري، وإنما عن مظلة أخلاقية وإنسانية تضغط باتجاه وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وهي القضايا التي ظل بابا الفاتيكان يدعو إليها باستمرار في بياناته ومواقفه تجاه السودان.
وربما يدرك كامل إدريس أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري داخلي، بل تحولت إلى أزمة إنسانية وأخلاقية عالمية، وأن إشراك الفاعلين الروحيين والدينيين قد يمنح ملف السلام بعداً مختلفاً، خاصة في مواجهة حالة الاستقطاب الإقليمي والدولي حول السودان.
لكن الزيارة تطرح سؤالاً آخر أكثر أهمية: هل ستكون الزيارة مقتصرة على الفاتيكان فقط، أم أنها ستشمل أيضاً لقاءات مع مسؤولين إيطاليين وأوروبيين؟
هذا الاحتمال يبدو منطقياً للغاية، خاصة في ظل الاهتمام الإيطالي المتزايد بالسودان ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
فمنذ وصول جورجيا ميلوني إلى السلطة، بدأت روما في تبني سياسة أفريقية جديدة عبر ما يُعرف بـ”خطة ماتي لأفريقيا”، وهي خطة تسعى من خلالها إيطاليا إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في القارة الأفريقية، خصوصاً في مناطق الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتنظر إيطاليا إلى السودان باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن والهجرة والطاقة والتوازنات الإقليمية.
فالسودان يمثل بوابة جغرافية بين القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، كما أن استمرار الحرب فيه يهدد بزيادة موجات الهجرة نحو أوروبا، ويهدد استقرار ليبيا وتشاد والبحر الأحمر، وهي ملفات تمثل أولوية استراتيجية للأمن القومي الإيطالي والأوروبي.
كما تخشى روما من تمدد نفوذ قوى إقليمية ودولية منافسة في السودان، سواء روسيا عبر شبكات فاغنر سابقاً، أو الصين، أو النفوذ الإماراتي المتزايد في الموانئ والبحر الأحمر، وهو ما يجعل إيطاليا تبحث عن موطئ قدم سياسي واستراتيجي داخل السودان.
ومن هذا المنطلق، فإن أي لقاءات محتملة بين كامل إدريس والمسؤولين الإيطاليين قد تتناول ملفات أوسع من مجرد الحرب، مثل:
*مستقبل البحر الأحمر.
*قضايا الهجرة غير الشرعية.
*الاستثمارات الزراعية والطاقة.
*إعادة الإعمار بعد الحرب.
*التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي.
*فرص التعاون الأمني والسياسي.
كذلك لا يُستبعد أن تشمل الزيارة لقاءات مع مسؤولي منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أو مؤسسات أممية أخرى مقرها روما، خاصة وأن السودان، رغم الحرب، ما يزال يمتلك واحدة من أكبر الإمكانات الزراعية في أفريقيا والعالم العربي.
وقد يكون ملف الأمن الغذائي جزءاً مهماً من الزيارة، خصوصاً في ظل المجاعة التي تهدد ملايين السودانيين، والانهيار الكبير في القطاع الزراعي، وتراجع الإنتاج بسبب الحرب والنزوح وانعدام التمويل والبنية التحتية.
وربما تسعى الحكومة السودانية إلى طرح رؤية لإعادة تأهيل القطاع الزراعي السوداني عبر شراكات دولية، أو طلب دعم عاجل لمشروعات القمح والحبوب، والري والبنية الزراعية، والأمن الغذائي، ودعم المجتمعات الريفية، وإعادة تأهيل مشروع الجزيرة والمشروعات الكبرى.
غير أن نجاح أي تحرك دبلوماسي سوداني في روما أو الفاتيكان سيظل مرتبطاً بالسؤال الجوهري: هل توجد إرادة حقيقية لإنهاء الحرب؟
فالعالم بدأ ينظر إلى السودان باعتباره دولة مهددة بالانهيار الكامل، ولم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة، بل أزمة تهدد وحدة البلاد والنسيج الاجتماعي ومستقبل الدولة نفسها.
ولذلك فإن أي دعم دولي ــ سواء من الفاتيكان أو إيطاليا أو الأمم المتحدة ــ لن يكون كافياً ما لم تتوفر رؤية سودانية وطنية حقيقية تقوم على:
*وقف الحرب فوراً.
*حماية المدنيين.
*إطلاق عملية سياسية شاملة.
*إشراك القوى المدنية والمجتمعية.
*إعادة بناء مؤسسات الدولة بعيداً عن الهيمنة العسكرية والاستقطاب الإقليمي.
إن زيارة الفاتيكان قد تكون محاولة لفتح باب جديد أمام السودان، لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً متأخراً بأن العالم لن يدعم أي سلطة لا تملك مشروع سلام حقيقياً.
فالدبلوماسية الروحية قد تساعد في تقريب المسافات وخلق مناخ أخلاقي داعم للسلام، لكنها وحدها لا تستطيع إنهاء حرب تغذيها المصالح الإقليمية، والانقسامات الداخلية، وفشل النخب السودانية في بناء مشروع وطني جامع.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحمل كامل إدريس إلى روما مشروع سلام سودانياً حقيقياً؟
أم أن الزيارة ستظل مجرد محاولة لتحسين الصورة السياسية لبلد يواجه أخطر مراحل تاريخه الحديث؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.