مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لم يعد الخطر الحقيقي مقتصرًا على استمرار القتال أو تعمق الكارثة الإنسانية، بل أصبح السؤال الأكثر رعبًا: هل ما يزال السودان دولة واحدة فعلًا؟
تحذيرات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بشأن تصاعد مخططات تقسيم السودان ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل جرس إنذار يجب أن يسمعه الجميع قبل فوات الأوان. فالبلاد تنزلق يومًا بعد يوم نحو واقع خطير تتآكل فيه فكرة الدولة نفسها، بينما تتمدد مناطق النفوذ المسلحة، وتتغذى خطابات الكراهية والتحريض العنصري على رماد الحرب والدمار.
ما يحدث اليوم ليس فقط حربًا بين قوتين عسكريتين، بل عملية تفكيك بطيئة للنسيج الوطني السوداني. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت المسافات النفسية والجغرافية بين السودانيين، وتحولت الهويات المحلية والقبلية والجهوية إلى أدوات تعبئة وصراع، بدل أن تكون جزءًا من تنوع طبيعي داخل وطن واحد.
الأخطر أن لغة الكراهية أصبحت جزءًا من الخطاب اليومي في السياسة والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. لم يعد التحريض يُمارس بخجل كما كان في السابق، بل بات علنيًا وممنهجًا، يُقسِّم السودانيين على أساس العرق والجهة والانتماء الاجتماعي، وكأن البلاد تُدفع عمدًا نحو مشروع تمزيق شامل.
لقد فشلت النخب السياسية والعسكرية طوال سنوات في بناء دولة المواطنة التي حلم بها السودانيون، لكن الحرب الحالية ذهبت أبعد من ذلك؛ فهي لا تدمر المدن والبنية التحتية فقط، بل تدمر أيضًا المعنى الرمزي لفكرة “السودان” كهوية جامعة.
اليوم، هناك مناطق كاملة تعيش بمعزل عن الدولة المركزية، وسلطات أمر واقع تتشكل بالسلاح، وحدود نفوذ تُرسم بالقوة، فيما يزداد اعتماد المجتمعات المحلية على الحماية القبلية أو العسكرية بدل الاعتماد على مؤسسات الدولة المنهارة. وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تصل إليها أي دولة؛ حين يفقد المواطن ثقته في الوطن نفسه.
ما يزيد المأساة قسوة أن القوى التي أشعلت الحرب أو ساهمت في استمرارها لا تزال تتعامل مع الأزمة بعقلية المكاسب السياسية والعسكرية، بينما السودان يتآكل أمام أعين الجميع. فبدل البحث عن مشروع وطني ينقذ البلاد، يستمر الاستثمار في خطاب التخوين والتعبئة والكراهية، وكأن المطلوب هو انتصار طرف على أنقاض وطن كامل.
إن تقسيم السودان لم يعد مجرد سيناريو نظري يُناقش في مراكز الدراسات، بل خطر حقيقي يتسلل عبر الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسام الاجتماعي. فحين تتحول الجغرافيا إلى مناطق نفوذ مغلقة، وحين يصبح السلاح هو مصدر الشرعية الوحيد، فإن وحدة الدولة تصبح مهددة بصورة غير مسبوقة.
لكن رغم هذا الظلام، لا يزال هناك أمل في القوى المدنية والديمقراطية التي ترفض الحرب والانقسام معًا، وتدرك أن إنقاذ السودان لا يكون بانتصار عسكري لطرف على آخر، بل بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والمشاركة المتساوية.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل يحتاج إلى مشروع وطني جديد يعيد ترميم ما دمرته الحرب والكراهية. لأن استمرار هذا المسار يعني ببساطة أن الأجيال القادمة قد تستيقظ يومًا لتكتشف أن السودان الذي عرفناه لم يعد موجودًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.