تشهد جبهة إقليم النيل الأزرق تصعيدًا عسكريًا متسارعًا ينذر بانزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة، في ظل تزايد حدة الاشتباكات حول مدينة الكرمك والمناطق المحيطة بها، لا سيما منطقتي «جرط» و«يابوس» ذاتي الأهمية الاستراتيجية.
ويأتي هذا التطور في وقت تتداخل فيه الأبعاد العسكرية مع الحسابات الإقليمية، مما يضاعف تعقيد المشهد ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
وأعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو، أمس الاثنين 23 مارس، سيطرتها على منطقة “جرط” جنوب الكرمك، مؤكدة أن العملية جاءت عقب هجوم وصفته بالناجح، تمكنت خلاله من الاستيلاء على كميات من الأسلحة والذخائر وأسر عدد من عناصر القوات المسلحة، بينهم ضباط. وبحسب مصادر ميدانية، فإن هذا الهجوم يُعد الثالث من نوعه خلال فترة وجيزة، في مؤشر واضح على استمرار حالة الكر والفر في المنطقة.
وفي المقابل، نفت مصادر عسكرية تابعة للجيش السوداني فقدان السيطرة على المنطقة، مؤكدة أن القوات المسلحة تمكنت من صد هجوم مشترك نفذته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، وكبدت المهاجمين خسائر كبيرة، شملت تدمير مركبات عسكرية وأسر عشرات المقاتلين. كما أشارت إلى أن الهجوم انطلق من مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية، في اتهام يعكس تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالصراع.
ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي لتحالف القوى المناهضة لقوات الدعم السريع، الذي يضم، إلى جانب القوات المسلحة، قوى أخرى تعمل على إعادة فرض الاستقرار في الإقليم، وسط تحديات ميدانية معقدة.
ويؤكد مراقبون أن هذا التحالف بات يمثل ركيزة أساسية في مواجهة ما يُنظر إليه كمشروع تفكيك الدولة السودانية، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة.
وتعكس تصريحات محافظ الكرمك، عبدالعاطي محمد الفكي، الأسبوع الماضي، توجهًا واضحًا نحو التصعيد العسكري، إذ أعلن عزم الجيش التقدم نحو منطقة “يابوس” بعد استعادة “جرط” سابقًا، معتبرًا أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن المرحلة المقبلة ستشهد عمليات أوسع لتأمين الحدود واستعادة كامل السيطرة على الإقليم. وتكتسب “يابوس” أهمية خاصة لكونها نقطة ارتكاز استراتيجية قرب الحدود الإثيوبية، وتشهد انتشارًا لقوات متحالفة مع الدعم السريع.
وعلى الصعيد الإنساني، تتفاقم الأوضاع بشكل مقلق، إذ أدت العمليات العسكرية والغارات الجوية إلى نزوح نحو 25 ألف شخص إلى مدينة الدمازين، حيث يواجه النازحون ظروفًا إنسانية قاسية في ظل محدودية الخدمات الأساسية. كما أسفرت الهجمات المتواصلة عن سقوط عشرات القتلى، ما يسلط الضوء على الكلفة البشرية المتزايدة للنزاع.
وتتزامن هذه التطورات مع اتهامات رسمية متصاعدة لإثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع عبر استضافة معسكرات وتسهيل عمليات الإمداد، بما في ذلك استخدام الطائرات المُسيّرة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات توسع نطاق الصراع ليأخذ أبعادًا إقليمية أكثر خطورة، في حال استمرار هذا النهج دون ردع.
وتبدو جبهة النيل الأزرق مقبلة على مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية. وبينما يسعى تحالف القوى الداعمة للدولة إلى تثبيت الاستقرار واستعادة زمام المبادرة، فإن استمرار التصعيد يهدد بإطالة أمد النزاع وتعميق معاناة المدنيين، ما يستدعي تحركًا عاجلًا لاحتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.