مصر بين الحياد والارتباك: موقف ضبابي تجاه الاعتداءات الإيرانية على الخليج

تقرير: عين الحقيقة

في خضم التصعيد الإقليمي الذي أعقب المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، برز الموقف المصري بوصفه أحد أكثر المواقف العربية إثارة للجدل والتساؤلات، لا سيما في ظل ما اعتبره مراقبون «غيابًا لرد واضح وصريح» تجاه الاعتداءات الإيرانية التي طالت دول الخليج العربي… فبين بيانات دبلوماسية عامة، وتحركات سياسية متأخرة، بدت القاهرة وكأنها تتعامل مع الأزمة بحذر مفرط، اقترب في بعض الأحيان من حدود البرود واللامبالاة.

منذ اندلاع المواجهات، لم تصدر عن الحكومة المصرية إدانة مباشرة وقوية للهجمات الإيرانية على دول الخليج، واكتفت ببيانات عامة تدعو إلى «ضبط النفس» و«تجنب التصعيد»

صمت ثقيل في لحظة مفصلية
منذ اندلاع المواجهات، لم تصدر عن الحكومة المصرية إدانة مباشرة وقوية للهجمات الإيرانية على دول الخليج، واكتفت ببيانات عامة تدعو إلى «ضبط النفس» و«تجنب التصعيد»، دون تسمية واضحة للطرف المعتدي. هذا الموقف، بحسب مراقبين، يعكس حالة من التردد في اتخاذ موقف حاسم، رغم حساسية اللحظة الإقليمية وتشابك المصالح العربية. ويشير متابعون إلى أن هذا «الحياد الرمادي» يتناقض مع ثوابت السياسة المصرية التقليدية التي طالما أكدت على أمن الخليج كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
تناقض داخلي ورسائل مربكة
في موازاة الموقف الرسمي، أثار نشاط عدد من الإعلاميين والكتاب المصريين، المحسوبين على دوائر قريبة من السلطة، جدلًا واسعًا بعد إبداء مواقف داعمة لإيران أو مبررة لتحركاتها في الحرب الحالية… وقد اعتبر ذلك بمثابة «رسائل غير رسمية» تعكس تباينًا داخل مراكز التأثير في القاهرة، أو على الأقل غياب ضبط الخطاب الإعلامي في لحظة حرجة. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي البارد، والنشاط الإعلامي المنفلت، أضعف من وضوح الرؤية المصرية، وأثار استياءً خليجيًا متصاعدًا.
إرث من الدعم الخليجي
تزداد حدة الانتقادات للموقف المصري عند استحضار حجم الدعم الذي قدمته دول الخليج لمصر خلال السنوات الماضية، سواء عبر الاستثمارات الضخمة، أو المساعدات الاقتصادية، أو الدعم السياسي لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مراحل مفصلية. فالعلاقات الاقتصادية بين مصر ودول الخليج تمثل أحد أعمدة الاستقرار المالي للقاهرة، حيث تقدر الاستثمارات الخليجية بمليارات الدولارات، فضلًا عن التبادل التجاري والتعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن “الحد الأدنى المتوقع” من القاهرة كان يتمثل في موقف سياسي واضح يدين الاعتداءات، ويؤكد التضامن مع الحلفاء التقليديين.

مع تصاعد التوتر، بدأت دول الخليج في إرسال رسائل سياسية واضحة تعبر عن استيائها من الموقف المصري، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو التصريحات غير المباشرة..

دور معطل للجامعة العربية
لم يقتصر الغموض على الموقف المصري الداخلي، بل امتد ليشمل أداء جامعة الدول العربية، التي تتخذ من القاهرة مقرًا لها.. إذ بدت الجامعة، خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، عاجزة عن إصدار موقف جماعي قوي يدين الهجمات الإيرانية، وهو ما عزاه البعض إلى «تأثير الموقف المصري المتردد» على توجهات المؤسسة العربية. وقد أثار هذا الأداء انتقادات واسعة في الأوساط الخليجية، التي رأت في صمت الجامعة تقصيرًا في أداء دورها المفترض كمنصة للدفاع عن الأمن العربي المشترك.
رسائل خليجية وتحول متأخر
مع تصاعد التوتر، بدأت دول الخليج في إرسال رسائل سياسية واضحة تعبر عن استيائها من الموقف المصري، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو التصريحات غير المباشرة. ووفقًا لمصادر مطلعة، فقد شملت هذه الرسائل تلميحات إلى «إعادة تقييم» بعض أوجه التعاون، في حال استمرار الغموض المصري. ويبدو أن هذه الضغوط قد دفعت القاهرة إلى مراجعة موقفها، حيث صدرت خلال الأسبوع الماضي بيانات أكثر وضوحًا، وإن ظلت، بحسب مراقبين، “خجولة” ولا ترقى إلى مستوى التحديات القائمة.
تحركات دبلوماسية متسارعة
في محاولة لاحتواء التداعيات، كثفت مصر من تحركاتها الدبلوماسية، حيث قام وزير الخارجية بجولات إقليمية شملت عددًا من العواصم العربية، أعقبها تحرك للرئيس عبد الفتاح السيسي في زيارات خاطفة، حملت في طياتها رسائل تهدئة وإعادة تموضع. ورغم أهمية هذه التحركات، إلا أن توقيتها المتأخر أثار تساؤلات حول مدى فعاليتها في ترميم الثقة مع الحلفاء الخليجيين.
ضبط إعلامي متأخر
على الصعيد الداخلي، اتخذت السلطات المصرية خطوات لضبط الخطاب الإعلامي، شملت توجيهات معلنة لوسائل الإعلام والكتاب بضرورة تجنب إبداء مواقف داعمة لإيران. كما تم، بحسب مصادر إعلامية، إيقاف أو تقليص ظهور بعض الأصوات التي أثارت الجدل خلال الفترة الماضية. ويرى محللون أن هذا التحرك يعكس إدراكًا متأخرًا لحساسية الخطاب الإعلامي في ظل الأزمات الإقليمية، وأهمية توحيد الرسائل السياسية والإعلامية.

تكشف الأزمة الحالية عن تحدٍ حقيقي في العلاقات المصرية-الخليجية، يتمثل في فجوة متنامية في التوقعات والمواقف.. 

أزمة ثقة في الأفق
في المجمل، تكشف الأزمة الحالية عن تحدٍ حقيقي في العلاقات المصرية-الخليجية، يتمثل في فجوة متنامية في التوقعات والمواقف.. فبينما تنتظر دول الخليج دعمًا سياسيًا واضحًا من القاهرة، تحاول مصر الموازنة بين حسابات إقليمية معقدة، تشمل علاقاتها مع إيران، والضغوط الدولية، وأولوياتها الداخلية.
حالة ارتباك استراتيجي

وفي هذا السياق، قال أستاذ علاقات دولية فضل حجب اسمه لـ”عين الحقيقة«، إن “الموقف المصري يعكس حالة من الارتباك الاستراتيجي، حيث تحاول القاهرة تجنب الانخراط المباشر في صراعات إقليمية معقدة خشية من تداعيات الحرب الحالية علي قناة السويس بدعم من النظام الإيراني المتشدد، لكنها في الوقت ذاته تدفع ثمن هذا الحذر على مستوى علاقاتها التقليدية مع الخليج العربي. وأضاف أن “مصر كانت تراهن على سياسة التوازن، لكنها لم تنجح في تسويق هذا التوازن لحلفائها، ما جعل موقفها يبدو أقرب إلى الغموض أو حتى التردد.
بين الحذر والخسارة
يبقى السؤال المطروح: هل تنجح مصر في إعادة ضبط بوصلتها السياسية بما يتماشى مع تحالفاتها التقليدية، أم أن سياسة «الحياد الحذر» ستكلفها خسائر استراتيجية على المدى البعيد لا سيما مع دول الخليج؟ في ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو الإجابة مرهونة بقدرة القاهرة على اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا، تعكس وزنها الإقليمي، وتحافظ في الوقت ذاته على شبكة علاقاتها المعقدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.