إذا صحت ملامح الاتفاق الدولي المرتقب مع إيران، فإن تداعياته لن تتوقف عند حدود البرنامج النووي أو توازنات الخليج، بل ستمتد بهدوء لكن بعمق إلى ساحات بعيدة مثل السودان، حيث تتقاطع السياسة مع شبكات التمويل غير الرسمي، وتتشابك الأجندات الإقليمية مع صراعات الداخل.
الاتفاق، كما يُتداول، ينص على تسليم مخزون اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنحها وصولًا كاملاً إلى المواقع والبيانات، إلى جانب إخراج منشآت مثل نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة. غير أن البند الأكثر حساسية ليس تقنيًا، بل سياسي: التزام إيراني بالتخلي عن سياسة “الوكلاء” ووقف تمويل وتسليح الجماعات المسلحة.
هنا تحديدًا تبدأ القراءة السودانية للاتفاق.. على مدى سنوات، لم يكن النفوذ الإقليمي لإيران قائمًا فقط على حضور مباشر، بل على شبكة علاقات مرنة بعضها أيديولوجي وبعضها براغماتي امتدت إلى جماعات وتنظيمات في المنطقة، من بينها تيارات الإسلام السياسي. ورغم اختلاف الخلفيات المذهبية والتنظيمية، فإن تقاطعات المصالح كانت دائمًا ممكنة، خاصة في سياقات الصراع مع خصوم مشتركين.
في السودان، حيث يحتفظ الإخوان المسلمين أو ما يُعرف محليًا بـ“الكيزان” بشبكات اقتصادية وتنظيمية معقّدة، فإن أي تراجع في التمويل الخارجي أو الدعم غير المباشر سيُحدث أثرًا لا يمكن تجاهله. فهذه الشبكات، التي نجت من التحولات السياسية، تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر تمويل متشعبة، بعضها مرتبط بحلفاء إقليميين أو ببيئات صراع تسمح بتدفقات مالية غير خاضعة للرقابة.
إذا التزمت طهران فعليًا بوقف دعم الوكلاء، فإن ذلك قد يؤدي إلى تضييق أحد المسارات التي كانت تُستخدم بشكل مباشر أو غير مباشر في تغذية هذه الشبكات. ليس بالضرورة عبر تحويلات مالية صريحة، بل عبر منظومة أوسع تشمل التدريب، وتبادل الخبرات، وتسهيل الوصول إلى موارد في مناطق النزاع.
الأثر المتوقع لن يكون انهيارًا فوريًا، بل تآكلًا تدريجيًا في القدرة على التمويل والحشد. وهذا بدوره قد ينعكس على موازين القوى داخل السودان، خاصة في ظل الحرب المستمرة، حيث تلعب الموارد دورًا حاسمًا في إطالة أمد الصراع أو دفعه نحو التسوية.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالتنظيمات التي خبرت العمل السري لعقود لا تعتمد على مصدر واحد، وغالبًا ما تعيد تشكيل قنواتها بسرعة. هنا يبرز السؤال: هل سيقود تراجع الدور الإيراني إلى إضعاف هذه التيارات، أم إلى إعادة تموضعها عبر بدائل إقليمية أخرى؟
في المقابل، فإن التزام إيران بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية يعكس رغبة في التحول نحو سلوك أكثر “دولتية”، بعيدًا عن منطق التصعيد. وإذا استمر هذا النهج، فقد نشهد تراجعًا عامًا في اقتصاديات الصراع التي غذّت جماعات مسلحة وتنظيمات أيديولوجية في المنطقة.
السودان، في هذه المعادلة، ليس ساحة معزولة. ما يحدث في طهران يترك أثره في الخرطوم، وإن بدا ذلك غير مباشر. فشبكات التمويل، مثلها مثل التحالفات، لا تعرف الحدود، وأي تغيير في مركزها ينعكس على أطرافها.
في نهاية المطاف، قد لا يكون الاتفاق نهاية لنفوذ الإسلاميين في السودان، لكنه قد يكون بداية لمرحلة أكثر صعوبة بالنسبة لهم: مرحلة البحث عن التمويل في بيئة إقليمية أقل تسامحًا مع “اقتصاد الظل”، وأكثر ميلاً لفرض شروط سياسية مقابل الدعم.
وهنا، يتجاوز السؤال حدود إيران ليصل إلى جوهر الأزمة السودانية نفسها: هل يمكن بناء مشهد سياسي مستقر دون تفكيك اقتصاديات الحرب وشبكات التمويل المرتبطة بها؟ أم أن هذه الشبكات ستظل قادرة على التكيّف، مهما تغيّرت موازين القوى من حولها؟
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.