كيف يتحرك الإسلاميون في السودان بعد إدراجهم في قوائم الإرهاب الأمريكية؟

عين الحقيقة – تقرير خاص

لم تكن التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه جماعة الإخوان المسلمين في السودان مجرد خطوة ضمن سياق العقوبات التقليدية، بل مثلت تحولاً نوعياً وصفه مراقبون بـ“الزلزال السياسي” الذي أعاد رسم ملامح الصراع. فبعد سنوات من العمل داخل مؤسسات الدولة أو من خلفها، وجد التيار الإسلامي نفسه فجأة في مواجهة عزلة دولية متصاعدة، تضيق معها خيارات الحركة والمناورة. التصنيف الأمريكي، سواء عبر العقوبات الفردية أو التوجه لإدراج الجماعة ككيان إرهابي، لم يستهدف قيادات بعينها فحسب، بل ضرب في عمق الشرعية السياسية للجماعة، محولاً إياها من فاعل سياسي – رغم الجدل حوله – إلى كيان ملاحق دولياً تتجنبه الحكومات والمؤسسات.

هذه التشكيلات، بحسب التقديرات، لا تعمل ضمن هيكل عسكري تقليدي، بل ترتبط تنظيمياً بقيادات الحركة، ما جعلها تُصنف كقوة موازية تحمل سمات الميليشيات الأيديولوجية

لماذا الآن؟ دوافع القرار الأمريكي
تشير تقديرات دوائر بحثية واستخباراتية إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الحركة الإسلامية بوصفها أحد أبرز معوقات وقف إطلاق النار في السودان. ووفقاً لمعطيات متداولة في مراكز أبحاث، من بينها “معهد السلام الأمريكي” (USIP)، فقد تم رصد انخراط مباشر لكتائب ذات طابع إسلامي متشدد، مثل كتيبة “البراء بن مالك”، في العمليات العسكرية.
هذه التشكيلات، بحسب التقديرات، لا تعمل ضمن هيكل عسكري تقليدي، بل ترتبط تنظيمياً بقيادات الحركة، ما جعلها تُصنف كقوة موازية تحمل سمات الميليشيات الأيديولوجية. كما تعززت القناعة الأمريكية – وفق باحثين – بأن تياراً متشدداً داخل الإسلاميين يرى في استمرار الحرب ضمانة لبقائه السياسي، ويعارض أي تسوية قد تعيد ترتيب المشهد بعيداً عن نفوذه.
اختراق الدولة… الإرث الذي لم ينتهِ
رغم سقوط نظام عمر البشير في 2019، تشير التحليلات إلى أن البنية التنظيمية للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، وخاصة الجيش، لم تُفكك بالكامل. فقد ظلت شبكات النفوذ ممتدة داخل مفاصل حساسة، ما يمنح الجماعة قدرة على التأثير في القرار العسكري والسياسي. هذا الواقع يفسر – بحسب مراقبين – صعوبة الفصل بين المؤسسة العسكرية وبعض التيارات الإسلامية، ويضع القيادة الحالية أمام تحديات معقدة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.
التداعيات القانونية والسياسية… عزلة شاملة
إدراج الجماعة ضمن قوائم الإرهاب – أو حتى توسيع دائرة العقوبات – يترتب عليه ما يشبه “العزلة الكاملة”. فبموجب هذا التصنيف، تصبح أي جهة تتعامل مع الجماعة عرضة لعقوبات ثانوية، ما يدفع الدول والمؤسسات المالية إلى تجنب أي ارتباط بها.
وبحسب تقديرات “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، فإن هذه الخطوة قد تؤدي إلى “إعادة تشكيل قسرية” للمشهد السياسي في السودان، عبر تقليص نفوذ الإسلاميين وإبعادهم عن أي ترتيبات مستقبلية. كما يمنح التصنيف وزارة الخزانة الأمريكية أدوات واسعة لتعقب الشبكات المالية المرتبطة بالجماعة، ما يهدد بتفكيك مصادر تمويلها، سواء داخل السودان أو خارجه.

الباحث في الشؤون الأفريقية أليكس دي وال: هذا الوضع يضع الجيش أمام “خيارين أحلاهما مر”: إما مواجهة عزلة دولية متزايدة، أو الدخول في صدام داخلي عبر تفكيك النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة.

ضغط متصاعد على قيادة الجيش
يمثل القرار الأمريكي تحدياً مباشراً للقيادة العسكرية، خاصة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يجد نفسه أمام خيارات معقدة. فإما الاستمرار في علاقات يُنظر إليها دولياً باعتبارها ارتباطاً بجهات مصنفة، أو الاتجاه نحو فك الارتباط مع هذه الشبكات.
ويرى الباحث في الشؤون الأفريقية أليكس دي وال أن هذا الوضع يضع الجيش أمام “خيارين أحلاهما مر”: إما مواجهة عزلة دولية متزايدة، أو الدخول في صدام داخلي عبر تفكيك النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة.
وتتوقع مراكز بحثية أن تشهد المؤسسة العسكرية محاولات “إعادة ترتيب داخلي” أو ما يشبه حملات إبعاد للعناصر المرتبطة بالنظام السابق، استجابةً لشروط الانخراط في أي عملية سياسية مدعومة دولياً.
هل تتجه الجماعة إلى العمل السري؟
في ظل هذا الضغط، تبرز تساؤلات حول المسار القادم للجماعة. بعض الدراسات، من بينها تقارير صادرة عن مراكز بحثية إقليمية، تحذر من احتمال تحول بعض الأجنحة نحو العمل السري أو المسلح، خاصة إذا أُغلقت أمامها المسارات السياسية بالكامل. في المقابل، يُتوقع أن تظهر انقسامات داخلية بين تيار براغماتي قد يسعى لإعادة التموضع تحت واجهات جديدة، وآخر أكثر تشدداً قد يفضل المواجهة المفتوحة.
الموقف الشعبي والإقليمي
داخلياً، تشير مؤشرات إلى أن قطاعات من القوى المدنية تنظر إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها ضغطاً في اتجاه إضعاف نفوذ الإسلاميين، الذين تُحمّلهم مسؤولية جزئية عن تعقيدات المشهد الحالي. إقليمياً، قد تجد دول الجوار نفسها أمام مبرر قانوني لتقييد حركة قيادات الجماعة، سواء عبر تشديد الرقابة أو تقليص مساحات التحرك، ما يزيد من عزلتها الجغرافية والسياسية.
سيناريوهات المستقبل
يرجح مراقبون عدة سيناريوهات لمستقبل الجماعة بعد التصنيف: التآكل التدريجي: حيث تؤدي الضغوط المالية والسياسية إلى تراجع نفوذها تدريجياً، وفقدان قدرتها على التأثير. التصعيد والمواجهة: تحول بعض الأجنحة إلى العمل المسلح، ما قد يطيل أمد الصراع، لكن تحت تصنيف دولي أكثر صرامة. إعادة التموضع: محاولة الظهور عبر كيانات جديدة بواجهات مدنية، وهو خيار يواجه تحديات كبيرة في ظل الرقابة الدولية.
نهاية “الاستثناء السوداني”؟
لطالما اعتبر إخوان السودان أنفسهم حالة خاصة داخل التنظيم الدولي، بفضل تغلغلهم في مؤسسات الدولة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا “الاستثناء” يواجه اختباراً حقيقياً.
فالتصنيف الأمريكي لا يمثل مجرد إجراء عقابي، بل يعكس تحولاً في كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الفاعلين في السودان، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل التوازنات السياسية بالكامل. وفي ظل هذه التحولات، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع السودان استثمار هذا الضغط الدولي لإعادة بناء نظام سياسي مدني، أم أن البلاد ستدخل مرحلة جديدة من الصراع بأدوات مختلفة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.