هل لعبت مناهج الإسلامويين بإعداداتهم العقلية والوجدانية فأصبحوا مسخاً مشوَّهاً؟!.‏

خالد أبوأحمد

يقف المرء حائراً مذهولاً، وهو يستعيد في ذاكرته ثلاثة عقود متتالية من المشاهد المتناقضة ‏والمواقف الصارخة التي أنتجتها الحركة الإسلاموية في السودان، حيرةٌ ليست من باب الجهل ‏بحقيقتهم، بل من باب الاستغراب العميق كيف يجتمع في شخصية واحدة كل هذا التضاد؛ فمن ‏يتشدق بالإسلام صباح مساء، ويرفع راية الدين في كل محفل، هو نفسه من أشعل نيران ‏الحروب، وأذاق الشعوب ويلات الخراب والدمار، ومارس القسوة بلا وازع، ونقض العهود ‏بلا خجل، وجعل من الكذب أداةً للبقاء والهيمنة‎.‎ فمن أين جاء هذا الخطل والشطط؟ وهل كانت المناهج الفكرية لهذه الحركة هي المحرك ‏الأساسي لهذا التشوّه العقلي والوجداني العميق؟.‏

ظاهرة العميد الطبيب طارق كجاب

وإن أردتَ أن تُجسِّد هذا التشوّه في صورة حيّة ماثلة أمامك، فانظر إلى ظاهرة العميد الطبيب ‏طارق الهادي كجاب، الذي جمع في مشهد واحد ما لا يجتمع إلا في شخصية أصابها الخلل ‏العميق؛ سماعة الطبيب التي تستمع لنبض الحياة، وبذلة العسكري التي تُهيئ للموت، فلم يكتفِ ‏بهذا التناقض الصارخ في هيئته، حتى ذهب أبعد من ذلك، فنادى بصوت عالٍ أن تمد إيران ‏يدها لتضرب دول الخليج، تلك الدول التي آوت السوداني حين أذاقه هو وأمثاله الجوع ‏والتشريد‎.‎ فأيُّ طب هذا الذي يتعلم صاحبه إنقاذ الأرواح ثم يستحلّ إزهاقها بفتوى سياسية؟ وأيُّ عقيدة ‏تلك التي تجعل من الطبيب قنبلة موقوتة موجَّهة نحو الأبرياء؟
هنا لا يبقى أمامنا تفسير سياسي أو أيديولوجي وحسب، بل نحن أمام حالة سريرية بامتياز، ‏حالة يعجز فيها المريض عن رؤية تناقضاته، لأن المناهج التي شكّلته أحكمت إغلاق نوافذ ‏النقد الذاتي من الداخل، وأبقت مفتاحها في يد من لديه الأمر.‏

اللغة الصامتة..!‏

ثم يأتي التناقض الثاني ليُضاعف المشهد إيلاماً، فالبذلة العسكرية التي يرتديها ليست مجرد ‏قماش وأزرار، بل هي رمز راسخ لمنظومة قيم صارمة قوامها الانضباط والولاء والشرف، ‏وهي لغة صامتة تقول لمن يراها أن صاحبها تنازل عن هواه لصالح المؤسسة، وذاب فرده في ‏كيانها الجمعي. غير أن العميد الطبيب أبى إلا أن يُحوِّل هذا الرمز النبيل إلى ورقة في لعبة ‏السياسة، فوظَّف شارات الجندية في معارك الحزب، واستعار هيبة العسكر ليُضخِّم صوته في ‏الصراع الأيديولوجي، غير عابئ بأن شرف الجندية لا يُستعار ولا يُباع‎.‎

وهذا السلوك الشائن لم يُسئ إليه وحده، بل طعن في صميم مؤسستنا العسكرية التي كانت ‏حصناً جامعاً لكل أهل السودان فوق والأيديولوجيات تمثل ركنا ركينا في وحدتنا الوطنية، فكان ‏بذلك مزدوج الخيانة؛ خيانة الطب وخيانة الجندية في آنٍ واحد، وكلتاهما مهنة لا تقبل النفاق ‏ولا تسامح على الازدواجية.‏

وإن كان العميد الطبيب نموذجاً للتشوّه الظاهر المكشوف، فإن علي عثمان محمد طه يمثل ‏النموذج الأخطر والأعمق، ذلك التشوّه الذي أُحكم تغليفه بعباءة الورع والزعامة الروحية، ‏حتى أوهم أتباعه عقوداً طويلة أنه (شيخٍ) جمع بين السياسة والدين، بين القيادة والتقوى، فإذا ‏بهم حين انكشف الغطاء أمام صخرة الحقيقة الموثقة، أمام رجلٍ أمضى عمره كله في الفساد ‏وإفساد الأجيال المتعاقبة التي مرّت على حركتهم منذ بروزه في المشهد مطلع السبعينات‎.‎

تراجي مصطفى..كشفت السر..!!‏
ما كشفته السيدة تراجي مصطفى من معلومات موثقة، ومن قبلها (قناة العربية) وأحاديث د. ‏حسن الترابي لـ(قناة الجزيرة)، القنوات الفضائية حين فتحت ملفات تنظيم (الحركة الإسلامية)، ‏لم يكن مفاجأة للمراقبين، لكنه كان صاعقةً لمن بنوا حول هذا الرجل هالة من القداسة الزائفة، ‏إذ وقفوا مذهولين أمام رجلٍ يُقرّ بكل برودٍ مُثلج أنهم في يومٍ واحد أعدموا ثمانية وعشرين ‏ضابطاً، قالها دون أن يرتجف له جفن، ودون أن تعتريه لحظة تأمل أو وخزة ضمير، كأنه ‏يتحدث عن أمر لا يستحق أكثر من جملة عابرة في حديث عادي‎.‎

وبعد الفشل الذريع لمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا، لم ‏يكن همّه احتواء التداعيات أو مراجعة ما جرى، بل كان همّه الأول إسدال الصمت الأبدي على ‏كل من عَلِم أو شارك، فكانت التصفيات، ومن بينها ما تجاوز حد الجريمة إلى حد الوحشية ‏المجردة؛ حين أُعدم الشخص الذي كُلف من (رئيس الجمهورية) للتحقيق في عملية الاغتيال ‏والجهات التي مولتها، فكانت تصفية الرجل أمام زوجته وابنته الرضيعة..!.‏

وحين اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة، لم يجد في جعبته غير لغة التهديد والوعيد، فأطلق ‏تحذيراته للثوار بالويل والثبور، ونفّذ ما وعد، فكانت كتائب الظل التي تحدث عنها بلسانه ‏شريكةً في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، تلك الجريمة التي لا يمكن أن يطالها نسيان أو ‏تقادم، فهذا هو المسخ المشوّه في أبهى صوره، ليس ذلك الذي يجاهر بالشر فيُعرف ويُحذر، بل ‏ذلك الذي يُتقن ارتداء قناع الصلاح حتى يخدع المقربين قبل البعيدين، ولا يخلع القناع إلا حين ‏لا يجد ما يخسره‎.‎

عزيزي القارئ..‏

لعل أبلغ دليل على عمق التشوّه الذي أحدثته الحركة الإسلاموية في عقول عضويتها ‏والمتعاطفين معها، ما يتجلى كل يوم على الملأ في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع ‏الإلكترونية وصفحات الفيسبوك، حيث تُطالعك تلك العضوية المسكينة التي يرثى لحالها، وهي ‏تنكر بقوة واستماتة عجيبتين كل الدمار الذي ألحقته حركتهم بالسودان؛ من تبديد للموارد ‏الاقتصادية، ونهب للشركات الإنتاجية، وسرقة للمال العام، وهي معالم واضحة كوضوح ‏الشمس في كبد السماء، لا يملك عاقلٌ منصف أن يجادل فيها، وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن ‏الحركة قد عبثت بإعداداتهم العقلية والذهنية عبثاً منهجياً ممنهجاً، حتى غدوا عاجزين عن ‏رؤية أربعة عقود من الخراب المتراكم، بل ويرون فيها مسيرةً مضيئة لا تشوبها شائبة‎.‎
وليس هذا وحده، بل إن مناهج الحركة الإسلاموية قد ذهبت أبعد من العقل لتلعب في الإعدادات ‏الوجدانية والعاطفية والإنسانية ذاتها، وهو ما يبدو جلياً حين ترى هؤلاء يُنكرون بكل ثقة ‏واطمئنان أن تنظيمهم قد مارس الإبادة الجماعية في دارفور، ويرفضون رفضاً قاطعاً أي ‏حديث عن العنصرية والقبلية وإشعال الحروب، وتصفية المعارضين، وما جرى في غياهب ‏السجون والمعتقلات من تعذيب واغتصاب، بل يردون كل اتهام بالقول إن أصحابه أعداء ‏للوطن ومتآمرون وعملاء..!‏
والأعجب من ذلك كله أن أحداً منهم لا يجول في خاطره ولو للحظة عابرة أن حركتهم ربما ‏أخطأت، أو ربما ارتكبت ما يجعلها متهمة أمام الضمير الإنساني قبل أن تكون متهمة أمام ‏القانون، فهذا هو التشوّه في أخطر صوره، حين لا يعود الإنسان قادراً على المساءلة الداخلية، ‏ويفقد تلك البوصلة الفطرية التي وهبها الله لكل إنسان ليُفرّق بها بين ما يُعتز به وما يُستحيا منه‎.‎
‏**الصمت المريب..‏
ثمة ما هو أشد وطأةً على النفس من كل ما سبق، وهو ذلك الصمت المريب، بل تلك البرودة ‏المطبقة التي يُواجه بها المتعاطفون مع الحركة الإسلاموية كل حديث عن الضحايا، فطيلة ‏عقود من الحروب والدمار، لم يصدر عنهم تجاه ضحايا دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ‏ومنطقة أمري بالولاية الشمالية، وحي العرب في بورتسودان، ما يُشير ولو من بعيد إلى نبضة ‏إنسانية واحدة، لم تُرَ منهم دمعة على طفل يتيم، ولا كلمة رثاء لأسرة مُمزَّقة، ولا وقفة تأمل ‏أمام أرواح أُزهقت بدم بارد وبلا رادع‎.‎
وهؤلاء الضحايا ليسوا غرباء ولا أعداء، بل هم أبناء الوطن الواحد من لحم هذه الأرض ‏ودمها، غير أن منهاج الحركة قد أفلح في شيء بالغ الخطورة، وهو استئصال الإحساس ‏بالإنسانية المشتركة من وجدان عضويتها، فأصبح الضحية في نظرهم لا يستحق التعاطف ما ‏لم يكن منهم وعلى رأيهم وفكرهم، بل ذهبوا أبعد من ذلك حين باتوا لا يرون غضاضةً فيما ‏تمارسه أجهزتهم الأمنية والعسكرية من قتل ممنهج وتصفيات جسدية بحق كل من يخالفهم ‏الرأي أو يقف في وجه مشروعهم‎.‎
وهنا بالذات يكتمل المشهد ويتضح التشخيص، فنحن لسنا أمام أناس أخطأوا أو انزلقوا، بل أمام ‏عضوية جرى تفريغها من إنسانيتها بصورة منهجية وبطيئة وصامتة، حتى غدا القتل في ‏عيونهم سياسةً مشروعة، والضحية مجرد خصمٍ يستحق ما نزل به، وهذا وحده يكفي ليجيب ‏عن السؤال الكبير الذي يطرحه هذا المقال‎.‎

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.