شياطين الخراب.. تنظيم الإخوان المسلمين/ لاهوت السلطة وهندسة الخراب في دولةٍ وُلدت هشّة
✍🏼 بقادي أحمد عبدالرحيم
في علم السياسة الحديث يقال ( لا تبدأ الكارثة من لحظة الانفجار،بل من لحظة التأسيس المختل) ولهذا، فإن قراءة تجربة تنظيم الإخوان المسلمين في السودان لا تكتمل دون تفكيك بنية الدولة نفسها، دولةٌ وُلدت أحادية، مركزية، ومصمَّمة على مقاس نخبة ضيقة، قبل أن تأتي الجماعة لتُحكم قبضتها على هذا الخلل وتحوّله إلى أداة للهيمنة
فمنذ استقلال السودان الشكلي، لم تُبنَ الدولة على عقد اجتماعي شامل، بل على إرث استعماري أعاد إنتاج (مركز قوي وهامش واسع) هكذا نشأت دولة تمثل أقلية سياسية وثقافية، بينما جرى تهميش ما يقارب 90٪ من شعوب السودان، ليس فقط اقتصادياً، بل في التمثيل والهوية والمعنى؛ كانت تلك بذرة الأزمة دولة بلا عدالة تأسيسية.
في هذا السياق، لم تكن الدولة أكثر من شبه دولة مؤسسات شكلية، ونخب تتداول السلطة داخل دائرة مغلقة و صراعات أيديولوجية حادة في ظاهرها، لكنها في جوهرها لا تتجاوز إعادة توزيع النفوذ داخل نفس الطبقة الحاكمةاليسار، اليمين الوسطي و الإسلاميون جميعهم، بدرجات متفاوتة، تحركوا داخل نفس الإطار الأحادي، محافظين على بنية الدولة القديمة، لا على تفكيكها ومعالجة الإختلال.
ثم جاء انقلاب 30 يونيو 1989 في السودان، ليمنح الحركة الإسلامية السودانية الفرصة لتحويل هذا الخلل البنيوي إلى مشروع متكامل(المشروع الحضاري) لم تُنشئ الحركة أزمة جديدة بقدر ما عمّقت أزمة قائمة أعادت تعريف الدولة كأداة تنظيمية، ورسّخت التمكين كسياسة، وأعادت إنتاج المركز بصورة أكثر قسوة
هنا لم يعد التهميش مجرد نتيجة تاريخية، بل أصبح سياسة واعية تمارس داخل اروقة الشبه دولة.
في ظل هذا التحول، تشكلت تربية سياسية طبقية( نخبة تملك السلطة والثروة والمعرفة، وأغلبية مُقصاة من المشاركة والتأثير)، لم تعد المواطنة معياراً للحقوق، بل القرب من دوائر النفوذ، وهكذا اختل ميزان العدالة، ليس فقط في توزيع الموارد، بل في تعريف من هو المواطن الكامل، ومن هو الهامش(الذي يُمنح صك الوطنية اذا اذعن) .
هذه البنية المختلة هي التي فجّرت الحروب، لا بوصفها أحداثاً معزولة، بل كنتيجة منطقية من حرب دارفور إلى النزاعات في جنوب كردفان والنيل الأزرق، كان الهامش يطالب بما حُرم منه الاعتراف، والعدالة، والمشاركة لكن الدولة، في صيغتها الأحادية، لم تستجب إلا بالأدوات الأمنية، ما أدى إلى دوامة عنف مستمرة، وقد بلغ الأمر حد تدخل المحكمة الجنائية الدولية وإصدار مذكرة توقيف بحق عمر البشير في 2009، في لحظة كشفت عجز الدولة عن محاسبة نفسها (استذكر آن ذاك تصريح شهير لزعيم المعارضة ورئيس حزب الأمة الوراثي وإمام طائفة الأنصار دفاعه عن البشير وأطلق قولته الشهيرة *جلدنا ما بنجر فيه الشوك*مما عكس حجم التربية الاجتماعية السيئة التي انعكست على التربية َالثقافة السياسية).
وحين اندلعت الثورة 2018–2019، لم تكن مجرد احتجاج على نظام سياسي، بل تمرداً على فكرة الدولة نفسها في صيغتها القديمة كان الشعار الضمني (لا إصلاح لدولة تأسست على الإقصاء، بل إعادة تأسيس كاملة) غير أن تعقيدات الواقع، وتشابك المصالح، وبقاء شبكات النفوذ، بل تم اقحام شخصيات لقيادة هذه الثورة لأعاقت هذا التحول.
ثم جاءت الحرب في 2023 لتكشف الحقيقة العارية أن الدولة، في جوهرها، لم تكن سوى هيكل هش، سرعان ما انهار تحت ضغط الصراع. في الخرطوم، انهارت مؤسسات الحكم خلال أيام،وتكررت مشاهد القتل الجماعي والتهجير، كما حدث في الجنوب ودارفور وجبال النوبه، لذلك لم يكن ذلك مجرد فشل ، بل انهيار نموذج كامل.
وهنا تتقاطع أزمة الدولة مع أزمة تنظيم الإخوان المسلمين كلاهما قائم على منطق الإقصاء الدولة القديمة أقصت الهامش، والتنظيم أقصى المجتمع لصالح الجماعة وعندما التقى النموذجان، كانت النتيجة مضاعفة دولة أكثر انغلاقاً، ومجتمع متمزقاً، وحروب أكثر دموية أما
اقتصادياً، لم يكن الانهيار مفاجئاً من العقوبات في التسعينيات، إلى استقلال جنوب السودان وفقدان الموارد، وصولاً إلى الانهيار بعد 2023، كان المسار واضحاً( دولة بلا قاعدة إنتاجية حقيقية، تُدار بعقلية القبلية والولاء، لا بعقلية التخطيط والتنمية) وارجو ان لا تقع تأسيس في نفس الخطأ الكارثي وتعيد انتاج ذات النموذج .
في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة في جماعة أو نظام، بل يجب قراءتها كناتج تراكمي لبنية مختلة؛ لكن ما فعله تنظيم الإخوان المسلمين هو أنه نقل هذا الخلل من مستوى الأزمة إلى مستوى الانفجار حيث حوّلت الدولة من كيان هش إلى أداة صراع، ومن إطار جامع إلى ساحة اقتتال.
ذلك هو جوهر المأساة دولة وُلدت ناقصة، فاختطفتها جماعة، فانهارت على رؤوس الجميع وبين التأسيس المختل والتمكين المؤدلج، ضاعت فكرة الوطن، وتحولت السياسة من إدارة للاختلاف إلى صناعة للخراب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.