كلما أوقد المثقفون المستنيرون شمعة أطفأها الظلاميون، الذين بذلوا حبراً وعرقاً غزيرين في صد التيار الفكري القادم من جدلية المركز والهامش والكتاب الأسود، فحملة الفكر المركزي المدين لدولة 56 بالفضل ينزعجون أشد الانزعاج من أي تيار فكري جديد يهدم صنم الدولة القديمة(56)، ولا يهدأ لهم بال حتى يزرعوا بذور التشكيك والتدليس حول النظريات الجديدة التي يطرحها المستنيرون الوطنيون، فهم يعلمون دون غيرهم أن الدولة التي أسس بنيانها على جرف هار، سوف تنهار طال الزمان أم قصر، ولكي لا يفقدوا الامتياز التاريخي لهذه الدولة، تجدهم يشعلون الحروب القاضية على المجتمعات المهمشة والمبعدة عن القرار الاقتصادي والسياسي، لأنهم يدركون خطورة الوعي اذا ما سرى في عقول الكتلة الحرجة واستفاقت من الغيبوبة، الأمر الذي يقضي على الدولة القديمة ويؤسس لدولة جديدة تلبي تطلعات الأغلبية المهمشة، فغول الحراك الثوري الممتد منذ الحركة الشعبية حتى تحالف “تأسيس” اشعل فوبيا زوال النعمة – نعمة الاستئثار بالسلطة والثروة بصورة حصرية – في نفوس وعقول النخبة المركزية، وأصبحت هذه الفوبيا الوقود المحرك لمشاريع الانتكاس الوطني التي قادتها القويين المدنية والعسكرية منذ فجر (الاستقلال)، حتى حرب أبريل التي أجمع عليها العسكر والمدنيون المركزيين بيمينهم ويسارهم ما هي إلّا مؤشر قوي على مكمن الداء الذي لم يتم تشخيصه التشخيص السليم.
مكمن الداء هو عظم الدولة نفسها وليس حكوماتها المتعاقبة، فالحكومات ما هي الا تجلي لمنطلقات الدولة وتوجهات مؤسساتها، التي من بينها مؤسسة الجيش الذي لم يستطع حتى الإسلاميين من تغيير عقيدته الموالية لمصر، وتجلى هذا بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري، حيث تمكنت مصر من إعادة المؤسسة العسكرية السودانية الى سابق عهد بروز دولة 56، حيث كان هواها ناصرياً قومياً عربياً، وقس على ذلك جميع مؤسسات دولة 56 – العلاقات الخارجية والاقتصاد والإعلام والثقافة – جميع هذه المؤسسات ظلت منذ العام 1956 تسبح بحمد المركزية المصرية، فلم يهنأ السودانيون بدولة مستقلة اطلاقاً، لذلك ما اطلقوا عليه استقلال وتغنوا به ما كان سوى عملية تسليم وتسلم، مثلها مثل عمليات الروتين الإداري الذي يحدث بالمؤسسات والشركات، فقط انتقلت الإدارة من البريطانيين والمصريين الى أفندية سودانيين مستلبين يدينون بالولاء لمصر، وانحصر التنافس السياسي فيما بين نخبة 56 وحدها، وما كان وجود النخب الهامشية في هذا المولد إلّا ترميز تضليلي، ليكبح جماح الغضب الشعبي في الأطراف، ذلك الغضب الذي بدت أولى مظاهره مدخل ثمانينيات القرن الماضي في دارفور حينما هتف الشعب (لن يحكمنا الطيب المرضي) كأول مظهر من مظاهر التمرد على دولة 56 منذ ميلادها، لذلك كانت عنيفة جداً مع تمرد بولاد على حكومته الإسلامية التي هي امتداد لحكومات دولة56.
الآن دولة 56 محاصرة بالوعي أكثر من حصارها بالسلاح في الأبيض، فقد أدرك القطيع الحقيقة، ذلك القطيع الذي كان يوالي احزابها الطائفية (امة، اتحادي) والأيدلوجية (جبهة، شيوعي، بعث)، فانضوى تحت ألوية حركات التحرر الوطني المتحالفة تحت عنوان “تأسيس”، بوعي تراكمي عبر الأجيال، فهذا التحالف التأسيسي ما كان له أن يقوم لولا وجود هذا العدو المشترك (دولة 56)، فقد كفر المهمشون بجميع المصطلحات والتعريفات التي انتجها مفكرو ومنظرو الدويلة الست وخمسينية، تلك المصطلحات وذلك العراك الفكري الذي يختفي أثره داخل صالونات المثاقفة الخرطونيلية، ويزول غباره بين ايقاعات أغاني الحقيبة، الخديعة التي لا تعكس فسيفساء الفلكلور السوداني العريض، فمشروع إزالة دولة 56 وتأسيس الدولة الجديدة، قد أعاد تعريف السودان الجديد في ثوب قشيب لو رآه جون قرنق لهب واقفاً، ولصفق طويلاً إعجاباً بسلامة المصطلح ودقة التشخيص، فاليوم السودانيون الأحرار لا يريدون تدوير الفشل وإعادة انتاج الحكومات الفاشلة، فقد شخصوا الداء وشرعوا في عملية العلاج الذي يعتمد على الجراحة القاسية بدون تخدير، ودون اكتراث لصيحات المريض الذ اكتنز جسده بالشحوم الزائدة وامتلأت عروقه بالدماء الفاسدة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.