في الحروب، لا يموت من أشعلوا النار، بل من وُضعوا في طريقها صدفة. الأطفال الذين لم يتعلموا بعد كيف يتهجّون أسماءهم، صاروا اليوم يتقنون لغة الانفجارات. النساء اللواتي كنّ يحفظن تفاصيل البيوت الصغيرة، أصبحن يحفظن طرق الهروب ومسارات النزوح. قذائف المسيّرات لا تسأل عن الانتماء، ولا تفرّق بين جبهة وخيمة، بل تهبط على الحياة نفسها، فتغتالها ببرود، كأنها تمحو سطراً زائداً في دفتر العالم.
الحرب، في جوهرها، لم تعد معركة بين أطراف، بل صارت امتحاناً قاسياً لإنسانيتنا. وكل يوم تستمر فيه، نحن نخسر شيئاً لا يمكن استعادته: طفولة تُسرق، أمّ تُفجع، بيت يتحول إلى ذاكرة. والسؤال الذي يهرب منه الجميع، ويجب أن يُطرح الآن بلا مواربة: ماذا كسبنا من هذه الحرب؟ أي نصر يمكن أن يُبنى فوق هذا الركام من الأرواح؟ وأي قضية يمكن أن تبرر دمعة طفلٍ فقد عائلته تحت أنقاض لا يعرف حتى سبب سقوطها؟
إيقاف الحرب ليس موقفاً سياسياً يُحسب لهذا الطرف أو ذاك، بل هو موقف أخلاقي، إنساني، يكشف من لا يزال يرى في الإنسان قيمة، ومن اختار أن يراه رقماً في نشرات الأخبار. لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الشجاعة: ليست في استمرار القتال، بل في القدرة على إيقافه. ليست في رفع السلاح، بل في خفضه حين يصبح موجهاً إلى صدور الأبرياء.
ربما آن لنا أن نعترف بأن الحرب لم تمنحنا سوى الخسارة، وأن كل يوم إضافي فيها هو تمديد لمعاناة لا معنى لها. أن نسأل أنفسنا بصدق، لا كشعار بل كوجع: هل نستحق كل هذا الموت؟ وهل تستحق الأرض، أي أرض، أن تُروى بدماء أهلها إلى هذا الحد؟
حين يصبح مطلب السلام حلماً بعيداً، ندرك أن العالم قد انحرف كثيراً عن فطرته الأولى. لكن رغم ذلك، يبقى الأمل في تلك اللحظة التي يختار فيها الجميع، ولو متأخرين، أن ينحازوا للحياة. لأن الحياة، في النهاية، هي القضية الوحيدة التي لا تحتمل التأجيل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.