في الوقت الذي تتصاعد فيه معاناة السودانيين يوماً بعد يوم، ويواصل آلاف المدنيين النزوح هرباً من جحيم الحرب، يبرز سؤال مُلح: لماذا تُرفض الهدنة رغم كل هذا الخراب؟ ولماذا يبدو قرار وقف إطلاق النار أبعد منالاً، حتى عندما تلوح له فرص ممكنة؟
المشهد على الأرض لا يحتاج إلى كثير من التحليل. مدن تُستنزف، ولايات تخرج تباعاً من دائرة السيطرة، وبنية تحتية تتآكل تحت وطأة القتال المستمر. المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، يفقد منزله وأمانه ومصدر رزقه، بينما تستمر المعارك دون أفق واضح لنهايتها. في مثل هذا الواقع، تصبح الهدنة – مهما كانت هشة – فرصة لالتقاط الأنفاس، وإدخال المساعدات، وفتح نافذة للحل السياسي.
لكن ما يثير القلق هو أن قرار الحرب لم يعد يبدو قراراً عسكرياً خالصاً، بل تحيط به حسابات سياسية معقدة. هناك قوى لا ترى في الهدنة مصلحة لها، لأنها تعيد ترتيب المشهد بطريقة قد تُفقدها نفوذها أو تعرقل مشاريعها. وهنا يبرز دور التيار الإسلامي المرتبط بالنظام السابق، الذي يُتهم على نطاق واسع بأنه يدفع نحو استمرار المواجهة، لا لإنهاء الحرب، بل لإعادة تشكيل السلطة عبر بوابة الصراع.
هذا التيار، الذي خسر موقعه بعد الثورة، يدرك أن أي تسوية سياسية شاملة قد تُقصيه نهائياً من المشهد. لذلك، فإن استمرار الحرب يمنحه فرصة لإعادة التموضع، سواء عبر النفوذ داخل بعض مؤسسات الدولة أو من خلال تعبئة خطاب تعبوي يُطيل أمد الصراع. وفي ظل هذا الواقع، يصبح رفض الهدنة مفهوماً من زاوية المصالح، لكنه غير مقبول من زاوية الوطن.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل تُدار هذه الحرب من أجل استعادة الدولة، أم من أجل استعادة السلطة؟ الفرق بينهما هو الفرق بين إنقاذ السودان أو دفعه نحو مزيد من الانهيار.
إن أي قيادة تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، لا يمكن أن تُغلق باب الهدنة بالكامل، حتى وإن كانت لديها تحفظات أو شروط. فالحروب لا تُحسم فقط بالسلاح، بل بالإرادة السياسية، والقدرة على تقديم تنازلات توقف نزيف الدم.
اليوم، يقف السودانيون أمام مفترق طرق حقيقي. إما الاستمرار في دوامة الحرب التي لا تُبقي ولا تذر، أو الشروع في مسار يضع الإنسان أولاً، ويعيد تعريف الأولويات بعيداً عن الحسابات الضيقة.
الهدنة ليست ضعفاً… بل شجاعة.
والسلام ليس هزيمة… بل انتصار للحياة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.