وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية تتستر على أخطر أنواع الفساد، حيث تتمثل خطورته ليس في الفساد المالي والأخلاقي فقط، بل يمتد لهدم المسيرة التعليمية في البلاد وضياع مستقبل العديد من الشباب الذين اجتهدوا ونالوا الشهادة الجامعية بجدارة واستحقاق؛ فعمليات تزوير الشهادات للعديد من قيادات (المؤتمر الوطني) خلال فترة النظام السابق ترمي بظلالها اليوم على مستقبل هؤلاء الشباب.
وانفجرت القضية التي تعتبر قضية الساعة بالتقرير الذي رفعه الأمين العام للشؤون العلمية بجامعة الخرطوم البروفيسور (علي رباح) الذي سلّم منه نسخة لوزارة التعليم العالي ونسخة لإدارة جامعة الخرطوم. وزارة التعليم العالي قامت بتشكيل لجنة برئاسة البروفيسور عوض حاج علي، وكان على اللجنة رفع تقريرها في مدة أقصاها أسبوع، وحتى الآن انقضت على تشكيل تلك اللجنة حوالي ثلاثة أشهر ولم تكشف الوزارة عن النتائج التي توصلت إليها، أو حتى القول بعجزها عن الوصول إلى نتائج، أو في حيرتها ترفض أن تقول.
فتقرير البروفيسور علي رباح كان يحتوي على اسم الوزير الذي ضغط لتمرير تزوير إحدى الشهادات، واسم الشخص المراد التزوير له، وكذلك منسوبي الوزارة الذين تواطؤوا مع (شركات التحقق) من الشهادات؛ فالشخصية الأولى قيادي معروف حتى اليوم بالدولة، والثاني موظف لا تتجاوز درجته الوظيفية الخامسة أو الثالثة، هذان الشخصان قاما بتمرير (الباسورد) لشخص آخر في دولة عربية معروفة، ويقدّر العائد الذي جنوه من عملية (التكتم) والتزوير ما يقرب لخمسة ملايين جنيه.
وكان يجب على الوزارة إحالة هذه القضية إلى النائب العام لأنها أصبحت قضية جنائية بامتياز، وكذلك يجب أن تعقد مؤتمراً صحفياً تكشف فيه هذه الحقائق للرأي العام صاحب الحق الأصيل، لكنها لم تفعل بل سعت إلى إيقاف كل السبل لمراجعة الشهادات الجامعية. فالقضية تجاوزت نهب وزير وموظف للمال العام ومشاركتهم في عمليات تزوير إلى كشف العديد من الشهادات العلمية المزورة التي كانت توزع خلال العهد البائد، وتضرر منه العديد من الشباب من حملة الشهادات الأصلية العاملين بالخارج بإيقاف التعامل مع العديد من منصات التحقق من الشهادات الجامعية السودانية ومن ضمنها (مصادقة) السعودية، في ظل فوضى التعليم الجامعي خلال أكثر من ثلاثين عاماً.
اليوم يقف العديد من شباب الوطن العاملين بدول الخليج (حيارى) ومستقبلهم على المحك بعد أن طالبتهم تلك الدول بضرورة إثبات بأن ما يحملونه من شهادات غير مزورة، بينما تقف وزارة التعليم العالي رافضة مراجعة الشهادات الجامعية حتى لا ينكشف (المستور) بأن الغالبية العظمى من (الشهادات) التي يحملها منسوبو الحركة الإسلامية (المجاهدين) تم منحها دون حق، وأن الغالبية منها غير مسجلة بالتعليم العالي.. اليوم الوزارة تقف بين فضيحة شهادات الكيزان وبين مستقبل شباب لا ذنب لهم.. ونخاف أن تُجبر الوزارة على خيار التستر.. مصيبة والله!
وعموماً فإن الثورة ستظل مستمرة.
وأن الحق يوماً سيعود والمحاسبة ستظل.
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.