لقاء (حميدتي) والأمم المتحدة… هل تتشكل مقاربة دولية جديدة؟

نورا عثمان

في صمتٍ لافت، جرى لقاء الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي، بيكا هافيستو، وهو لقاء قد يبدو في ظاهره حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، لكنه في جوهره يحمل مؤشرات على تحوّل محتمل في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع الحرب في السودان.

هذا اللقاء يأتي في توقيت دقيق، بعد مغادرة المبعوث السابق رمطان لعمامرة، الذي واجه انتقادات واسعة بسبب ما اعتُبر انحيازًا في مقاربته للأزمة، وعجزه عن تحقيق اختراق حقيقي في جدار الحرب. ومع هذا التغيير، يبدو أن الأمم المتحدة تحاول إعادة ضبط بوصلتها، والاقتراب أكثر من واقع الصراع كما هو، لا كما يُراد له أن يُفهم.

لقاء حميدتي تحديدًا يطرح تساؤلات جوهرية: هل بدأت الأمم المتحدة في تبني نهج أكثر براغماتية، يقوم على التعامل مع جميع الأطراف الفاعلة على الأرض دون استثناء؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه محاولة لفتح قنوات تواصل جديدة في ظل انسداد المسارات التقليدية؟

في الواقع، لا يمكن فصل هذا التحرك عن حالة الجمود التي أصابت الجهود الدولية، حيث فشلت المبادرات المتعددة في فرض هدنة مستدامة أو إطلاق عملية سياسية جادة. ومع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، بات من الواضح أن تجاهل أي طرف رئيسي في المعادلة لم يعد خيارًا عمليًا.

لكن هذا التحول، إن صحّ، لا يخلو من المخاطر. فالتعامل مع أطراف النزاع بوصفهم شركاء في الحل قد يُفهم – من قبل البعض – على أنه نوع من الشرعنة، وهو ما قد يثير جدلًا واسعًا، خاصة في أوساط القوى المدنية التي تطالب بموقف دولي أكثر صرامة تجاه الحرب وانتهاكاتها.

في المقابل، قد يرى آخرون أن الواقعية السياسية تفرض نفسها، وأن إنهاء الحرب يتطلب الجلوس مع من يملكون مفاتيحها، لا الاكتفاء بمواقف مبدئية لا تغيّر شيئًا على الأرض.

ما بين هذين المنظورين، تبدو الأمم المتحدة أمام اختبار جديد: هل تستطيع أن توازن بين مبادئها ومسؤوليتها في وقف الحرب؟ وهل ينجح مبعوثها الجديد في بناء مقاربة مختلفة، أكثر حيادًا وفاعلية؟

لقاء نيروبي قد يكون مجرد خطوة أولى في هذا الاتجاه، أو قد يتحول إلى نقطة انطلاق لمسار جديد يعيد ترتيب أوراق الأزمة السودانية. لكن المؤكد أن الحرب، بعد كل هذا الوقت، لم تعد تحتمل مزيدًا من التجريب.

السودانيون لا ينتظرون لقاءات بقدر ما ينتظرون نتائج.
وكل تحرك دولي لا يقترب من وقف النزيف، سيظل مجرد خبر… في بلدٍ أنهكته الأخبار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.