ارموا وعودهم في سلّة المهملات: خطاب لا يُطعِم جائعًا ولا يُنصف معلّمًا

حسن عبد الرضي

مرةً أخرى، يخرج علينا كامل إدريس بخطابٍ مكرور، مُعلّبٍ بلغة الطمأنة، فارغٍ من أي مضمونٍ حقيقي. يوجّه بصرف “حافز مرتب شهر”، ويُلوّح بصرف “راتب شهر من المتأخرات”، وكأنّ المأساة التي يعيشها المعلّم السوداني يمكن اختزالها في “مسكّنٍ مؤقّت” يُعطى في توقيتٍ سياسيٍّ محسوب، لا في إطار حلٍّ جذريٍّ عادل.

هذا الخطاب، مكانه الطبيعي ليس صفحات الأخبار، بل سلّة المهملات. لأنّ المعلّم لم يعد ساذجًا ليُخدَع بالوعود، ولم تعد ذاكرته قصيرة لينسى ما قيل له بالأمس القريب. فكم من “توجيهات” صدرت؟ وكم من “قرارات” أُعلنت؟ فكم منها رأى النور؟ الإجابة يعرفها كل معلمٍ ينتظر راتبه منذ شهور، ويعرفها كل فصلٍ دراسيٍّ صار أطلالًا، وكل مدرسةٍ تحوّلت إلى مأوى للنازحين أو ثكنةٍ للخراب.

إنّ ربط هذه الوعود بتوقيت امتحانات الشهادة السودانية ليس بريئًا. هو تكتيكٌ مكشوف: تخديرٌ مؤقّت، يُراد به دفع المعلّمين دفعًا إلى قاعات الامتحان، ثم—بعد أن تنتهي المهمة—“يفكونهم عكس الهواء”، كما يقول أهل السودان. وها نحن أمام نسخةٍ مكرّرة من ذات السيناريو البائس.

أما الحديث عن “الاطمئنان على اكتمال الاستعدادات”، فهو في حدّ ذاته مفارقة ساخرة. أيّ استعداداتٍ هذه في ظلّ واقعٍ تعليميٍّ منهار؟ أيّ امتحاناتٍ تُقام في بلدٍ يتقاسم فيه الخوف والجوع مقاعد الدراسة؟ وأيّ وزارةٍ هذه التي “تستعد” على الورق، بينما المعلم على الأرض عاجزٌ عن الوصول إلى مدرسته، أو مُكرَهٌ على العمل بلا أجر؟

ولا يختلف كثيرًا الحديث عن “صيانة المدارس” و”العودة الطوعية” و”النوافذ الخاصة لاستخراج الأوراق”. كلّها عناوين برّاقة تُستخدم لتجميل مشهدٍ قبيح، ولتقديم صورةٍ وهميةٍ عن دولةٍ تقوم بواجبها، بينما الحقيقة أنّ الدولة نفسها غائبة—أو مغيّبة—عن أبسط مسؤولياتها.

المأساة ليست في هذا التصريح وحده، بل في السياق الذي أنتجه: سياقٌ اعتاد فيه المسؤولون على إطلاق الوعود دون محاسبة، وعلى التعامل مع المعلّم كأداةٍ تُستخدم عند الحاجة، لا كإنسانٍ له حقوق. والأسوأ من ذلك، أنّ هذه اللغة لم تعد تُقنع أحدًا، لكنها تستمر، لأنّ من يطلقها لا يدفع ثمنها.

إنّ المعلّم السوداني اليوم لا يحتاج إلى “حافز شهر”، بل إلى كرامةٍ مستدامة، وراتبٍ منتظم، وبيئة عملٍ آمنة، واحترامٍ حقيقي لدوره. يحتاج إلى دولةٍ تحترم عقله قبل أن تطلب جهده.

أما هذه الوعود الموسمية، فقد سقطت—نهائيًا—من حساب الواقع، ولم يعد لها مكانٌ إلا حيث تُرمى الأشياء التي انتهت صلاحيتها: سلّة المهملات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.