حوار الفهلوة.. هناك أسئلة تحتاج الي إجابة أولا.

الفاضل سعيد سنهوري

جاء في الاخبار إن قائد جيش الحركة الاسلامية وما يسمي برئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان قال في تصريح بمناسبة عيد الاضحي بانه يجري الترتيب لإطلاق حوار سياسي شامل يتوافق فيه السودانيون على وضع أسس للبناء الوطني، مضيفا كذلك بأن حكومة السودان ستقدم كل ما يلزم لإنجاح الحوار السياسي الذي سينعقد داخل البلاد.

الدعوة التي أعلنها قائد الجيش الجنرال عبدالفتاح البرهان بعقد حوار سياسي داخل منطقة سيطرة الجيش هو حوار فهلوة وعلي مزاجه وشروطها المسبقة. وبمجرد تداول الخبر بدء ظهور بعض الأصوات والبيانات المرحبة للدعوة بسرعة، ساعيه الي تجميل الدعوة إلى حوار سياسي من طرف عسكر السلطة التي تدير الحرب بأن “إي دعوة مرحب بها دومًا” وليس بدعة أو من بنات افكار الجيش وعبدالفتاح البرهان “لإنقاذ البلاد”.

هذا التهافت من نفس القوي التي تهافتت من قبل الي المشاركة في حوار الوثبة للمجرم عمر البشير يجعل من المنطق طرح عدة أسئلة منطقية أولا قبل تفسير اسباب الدعوة إذا أفترضنا – إفتراض غير واقعي طبعا- بحسن نية عبدالفتاح البرهان من دعوته هذة.

والأسئلة وهي:
– السؤال الاهم في البداية هو ما الضمانات الأساسية للحوار؟.
– وما نوع الحوار؟ وما غاياته؟ وأجندته؟
– ولماذا نحتاج لحوار لحل ازمتنا السياسية -الحالية – وما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة؟
– ثن هل الحوار المطلوب – نسخة الجيش- قادر علي حل أزمة البلاد السياسية وتداعيات الأوضاع الراهنة؟
– ومن هم أطراف هذا الحوار – المفترضين- بعد إشتراطات عبدالفتاح البرهان المسبقة؟ وما النطاق الممكن للحوار المنشود – حوار رغبة البرهان- في ظل الإقصاء المبكر للمشاركين المفترضين؟
– ماهي محددات الحوار في مناقشة أصل الأزمة التي تري القوي السياسية المعارضة للحرب والتي لا تقف في صف الجيش ونظام عبدالفتاح البرهان؟
وغيرها من الأسئلة الأخري التي يمكن ان تطرح من أكثر من جهة وفرد ومواطن وأحزاب وغيرهم.

من البديهي جدا أن الحوار من أجل وقف الحرب والتحول المدني الديمقراطي مرحب به لكن الأهم هو تحديد الغايات والأهداف، والدوافع والأسباب، والإجراءات والضمانات لإنخراط الأطراف السياسية السودانية في إي حوار سوداني لوقف الحرب والتحول الديمقراطي والحكم المدني.

الأطراف التي لا تدعم حرب البرهان “الملطخة أياديها بالدماء” حسب وصفه وإشتراطاته بعدم إشراكها تري ان أصل المشكلة يحتاج الي “إعادة تأسيس” الدولة السودانية و”بناء وطن جديد” وفقا لمبأدي مختلفة عن ما يدور في خلد البرهان، بينما يري عبدالفتاح البرهان وزمرته أن الحوار مطلوب فقط “لحوجة مرحلة وضرورية” الي إصلاح نمط الحكم وفتح المجال لمشاركة أوسع تعفي من المسؤولية لمن أشعل الحرب، وتغطيها بمعالجة الاضرار التي حدثت؟. وهذا لا يستقيم منطقا.

وعبدالفتاح البرهان هو من قتل أكثر من (3) مليون مواطن بدارفور عندما كان يلقب نفسه برب الفور، وقتل أكثر من (5) مليون سوداني جنوبي في حرب الجنوب العنصرية عندما كان ضمن سدنة المجرم عمر البشير ، وسحل المعتصمين السلميين أمام قيادة الجيش بالخرطوم بمشاركة كتائب الظل واللجنة الإمنية، وعاد وشرد نصف الشعب السوداني وقتل ربعهم في حرب 15 أبريل 2023 المشؤومة. فمن الأولي بعدم المشاركة ومن هو الذي تلطخت يداه بدماء السودانيين أكثر منه ليقدم إشتراطات مسبقة للمشاركة في حوار سياسي سوداني سوداني؟.

إن أزمة الحكم والأزمات والمشكلات الأقتصادية والإجتماعية التي يشهدها السودان الان ليست وليدة حرب 15 أبريل 2023 كما يتخيل ويعتقد البرهان وأخرين.
المشكلة التي يجب ان توضع في طاولة إي حوار ليست هي قضية حرب 15 أبريل 2023 وحدها، بل هي أزمة ملازمة لتاسيس الدولة منذ العام 1956، وأنماط الحكم التي سادت في السودان وافرازات تلك الحكومات.
وأجندة الحوار السياسي في السودان هي أجندة مستقبل السودان وبناء وطن جديد، وتتجاوز الدوافع التي صاغتها الحركة الإسلامية وأدت إلى عودة البرهان الي السلطة محمولا علي فوهة بندقية جيش ومليشيات الحركة الاسلامية لتصفية ما جاءت به ثورة ديسمبر 2019 المجيدة بشعار بل بس.

إستعلاء نخب الجلابة المندكورات ونخب المركز العنصري المتمثلة في تنفيذ تصوراتها ورؤيتها المسبقة للدولة، وهويتها، وماهيتها، ووظائفها بواسطة الانظمة الديكتاتورية والاحزاب التقليدية هو الذي قاد الي هذا الوضع السياسي المازوؤم والاجتماعي المزري الذي نعيشه الأن ويحتاج الي حوار سياسي حقيقي وجاد وليس فهلوي ترقيعي.

وللحقيقية وطوال العهود السابقة لم يكن هناك حوار جدي لمناقشة ووضع الحلول للمعالجة بمخاطبة جزور أزمة الحكم في السودان بحثا عن وطن مستقر سياسيا. واليوم هاهي الايام تدور من جديد والأزمة لم تراوح مكانها منذ مؤتمر المائدة المستديرة، بل هذة المرة لن ينفصل الجنوب السوداني كما فعل بل كل الأقاليم ستنفصل قسريا.
وتقسيم السودان وارد إذا لم تتكاتف القوى الحية في المجتمع ومؤسسات الدولة وتتوافق حول عملية إنقاذ شاملة فقد تتدهور الأوضاع إلى مرحلة غير مسبوقة،
وذلك ليس عن فراغ بل بالنظر إلى التجريف الذي حدث في الحياة السياسية في السنوات الماضية منذ انقلاب البرهان وحجم التحديات التي تواجه السودانيين في كافة قطاعات المجتمع تقريبا لاجئين ونازحين ومستقرين بمناطق الحرب لضعف الحيلة.

الحوار الحقيقي المطلوب هو حوار يكلم الشعب بالحقائق المجردة للحرب ومن المتسبب فيها وهو في بطن أمه ويمشي بين المواطنين سلاما وهو في صباه وليس حوار يولد كهلا ليموت قبل أن يفطم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.