فجّرت تصريحات وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية، خالد الإعيسر، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية المساندة للجيش، بعدما وجّه اتهامات غير مسبوقة إلى بعض المنصات والأقلام الصحفية بتلقي أموال مقابل تبني مواقف داعمة للحرب، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تصاعد الخلافات داخل معسكر المؤيدين للسلطة في بورتسودان.
وخلال ظهوره في برنامج «المسائية» على قناة «الجزيرة مباشر»، قدّم الإعيسر رواية مختلفة لما يجري داخل المشهد الإعلامي المصاحب للحرب، مميزاً بين ما وصفه بالدعم الوطني القائم على القناعة، وبين مواقف قال إنها تُبنى على المصالح المالية والحوافز.
وقال الوزير إن هناك من يدافع عن الجيش انطلاقاً من قناعات وطنية، في مقابل آخرين تحركهم المكاسب المالية، موجهاً رسالة مباشرة إلى من وصفهم بالمستفيدين من الحرب، بقوله: «من يدافع عن الجيش من أجل الأموال عليه أن يصمت إلى حين انتهاء المعركة».
اتهامات تهزّ المشهد الإعلامي
أثارت تصريحات الإعيسر ردود فعل واسعة، لا سيما بعد استخدامه أوصافاً حادة بحق بعض العاملين في المجال الإعلامي، مستدعياً تعبيرات من الموروث الشعبي السوداني مثل «الأقلام التي تُشترى» و«النائحة المستأجرة»، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها تستهدف شخصيات ومنصات إعلامية بعينها.
ورغم أن الوزير لم يسمِّ أسماء محددة، فإن متابعين ربطوا تصريحاته بالسجال العلني الذي دار خلال الأسابيع الماضية بينه وبين الكاتبة الصحفية حنان عبد الحميد، المعروفة بـ«أم وضاح»، إضافة إلى خلافات متصاعدة داخل دوائر الإعلام المساند للحرب.
ولم يكتفِ الإعيسر بتوجيه الانتقادات، بل أعلن عزمه اللجوء إلى المسار القانوني لملاحقة من قال إنهم يسيئون إلى مؤسسات الدولة أو يتاجرون بالقضية الوطنية، وذلك عقب مغادرته المنصب الوزاري.
ما وراء التصريحات
يرى مراقبون أن أهمية تصريحات الإعيسر لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضاً. فالتصريحات جاءت في ظل حديث متزايد عن ترتيبات سياسية وإدارية داخل بورتسودان، وتوقعات بإجراء تعديل وزاري قد يشمل عدداً من الحقائب والمواقع التنفيذية.
ويعتقد محللون أن الوزير اختار توجيه رسائل سياسية وإعلامية مباشرة قبل أي تغييرات محتملة، كاشفاً جانباً من الصراعات المكتومة داخل معسكر المساندة للحرب، ومسلطاً الضوء على ملف ظل محل جدل لسنوات، يتعلق بعلاقة المال بالإعلام وأثره في تشكيل المواقف العامة.
ملف قديم يعود إلى الواجهة
وأعادت تصريحات الإعيسر إلى السطح نقاشاً قديماً حول ظاهرة شراء الولاءات الإعلامية في السودان، وهي قضية ظلت محل انتقادات متكررة من صحفيين وناشطين ومنظمات معنية بحرية الإعلام.
ويرى باحثون في تاريخ الصحافة السودانية أن أنماط التمويل غير الشفافة والحوافز الموجهة للأفراد والمؤسسات الإعلامية أسهمت، عبر سنوات طويلة، في إضعاف استقلالية بعض المنابر وتحويلها إلى أدوات للدعاية السياسية.
وبحسب هؤلاء، فإن الظاهرة لم تتراجع بصورة كاملة خلال الفترات الانتقالية، بل عادت بأشكال أكثر تعقيداً مع تصاعد الاستقطاب السياسي والأمني، ثم تفاقمت بصورة أكبر مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.
صراع نفوذ أم مراجعة متأخرة؟
وتباينت القراءات بشأن خلفيات تصريحات الإعيسر؛ فبينما اعتبرها البعض محاولة لكشف اختلالات داخل البيئة الإعلامية المرتبطة بالحرب، رأى آخرون أنها تعكس صراعاً متصاعداً بين مراكز النفوذ داخل السلطة ومعسكر المساندة السياسية والإعلامية.
ومهما تكن الدوافع، فإن تصريحات الوزير فتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة العلاقة بين التمويل والإعلام خلال سنوات الحرب، وحول مدى استقلالية الأصوات التي تصدرت المشهد العام تحت شعارات التعبئة والمساندة.
وفي وقت تتواصل فيه الحرب وتتعقد الأزمة السودانية، تبدو الأسئلة التي أثارها الإعيسر أكبر من مجرد خلاف عابر بين مسؤول حكومي وإعلاميين، إذ تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السوداني: حدود المهنية، ومصادر التمويل، وتأثير المصالح على صناعة الرأي العام في زمن الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.