مدخل
ظلّ المجتمع السوداني، لعقود طويلة قبل انقلاب 1989 في السودان، محكوماً بمنظومة متداخلة من القيم والعادات والتقاليد التي شكّلت الضابط الأساسي لسلوك الأفراد. كانت الأسرة، والحي، والقبيلة، تمثل مرجعيات أخلاقية حيّة، تضبط تصرفات الناس عبر مفاهيم مثل (العيب) و(السمعة) و(احترام الكبير)، فيما كان الدين جزءاً أصيلاً من هذا النسيج الثقافي، يمدّه بالمعنى ويعزّز قيمه، دون أن يتحول إلى أداة فرزٍ حادّة بين الناس.
لكن مع وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر انقلاب 1989، بدأ تحوّل عميق في طبيعة العلاقة بين الدين والمجتمع، ولم يعد الدين، في كثير من الممارسات، مجرد ضابط للسلوك وموجّه أخلاقي، بل تحوّل تدريجياً إلى معيار للفرز والتصنيف لمن هو (ملتزم) ومن هو (غير ملتزم)، من هو (مع) ومن هو (ضد)، وهنا تحديداً تكمن إشكالية هذا المقال.
إن الأصل في الدين أنه منظومة قيمية تُقاس بها الأفعال، لا أداة تُقاس بها هوية الأشخاص. فهو يدعو إلى الصدق، والأمانة، والعدل، واحترام كرامة الإنسان، بغضِّ النظر عن انتمائه أو موقفه. غير أن تسييس الدين، وربطه بمشروع سلطوي، أفضى إلى نقله من دائرة القيم إلى دائرة الهوية، ومن معيار للسلوك إلى وسيلة للتمييز.
تجليات التحول
وقد تجلّى هذا التحول في عدد من الظواهر التي أثّرت بعمق على بنية المجتمع السوداني:
أولاً: برزت حالة من الازدواجية الأخلاقية، حيث جرى التركيز على مظاهر التدين الشكلية، مثل الخطاب والشعارات والهيئة، في مقابل تراجع الالتزام العملي بالقيم الجوهرية. فظهرت ممارسات تتناقض مع أبسط المبادئ التي يدعو إليها الدين، مثل النزاهة والعدل، دون أن ينعكس ذلك على المكانة الاجتماعية أو السياسية لأصحابها، طالما أنهم يُحسبون على “التيار الصحيح”.
ثانياً: تم توظيف الخطاب الديني لتبرير ممارسات تمس الحقوق الأساسية، سواء في تقييد حرية التعبير، أو التضييق على المعارضين، أو فرض رؤى أحادية على المجتمع. وهنا لم يعد الدين حامياً للإنسان وكرامته، بل أصبح — في بعض الحالات — غطاءً لانتهاك هذه القيم.
ثالثاً: تفشّت ظاهرة الفجور في الخصومة، حيث تحوّل الخلاف السياسي أو الفكري إلى صراع أخلاقي مطلق، تُستخدم فيه لغة التخوين والتشويه بدل الحوار والنقاش. وهو ما يتناقض صراحة مع القيم الدينية التي تدعو إلى العدل والإنصاف حتى مع الخصوم.
رابعاً: برزت نزعات الإقصاء والتكفير، أو على الأقل التلميح بها، تجاه المعارضين، بما يؤدي إلى نزع الشرعية عنهم ليس فقط سياسياً، بل أخلاقياً ودينياً. وهذا أخطر أشكال تحويل الدين إلى أداة فرز، لأنه يقسم المجتمع إلى (داخل) و(خارج)، بدل أن يجمعه على قيم مشتركة.
خامساً: ظهرت أمثلة واقعية تعزّز فكرة أن الدين استُخدم كمعيار للفرز أكثر من كونه ضابطاً للسلوك؛ من بينها الخصومات الحادة بين التيارات الإسلامية نفسها، رغم انطلاقها — نظرياً — من مرجعية واحدة، وهو ما يكشف أن معيار “من معنا” و”من ضدنا” غلب على معيار القيم المشتركة. كما برزت الانتقائية في تطبيق قوانين النظام العام، حيث استُخدمت في كثير من الأحيان ضد الخصوم السياسيين أو الفئات الأضعف، بينما تم التغاضي عن ظواهر أخرى أكثر تأثيراً على النسيج الاجتماعي، مثل الانحدار في بعض أشكال الفن، والرقص الخليع المصاحب لبعض العروض، وانتشار كلمات مبتذلة في الأغاني. وفي السياق نفسه، شهدت معايير النجومية والشهرة تحولاً لافتاً، إذ لم تعد قائمة بالضرورة على التميز أو القيمة، بل في بعض الحالات على الإثارة أو الخروج عن المألوف، بما يعكس اختلالاً في منظومة التقييم المجتمعي.
الأدلجة، ومدخل توظيف الدين معياراً للفرز لا ضابطاً للسلوك
وفي خضم هذا التحول، تراجعت المرجعيات الاجتماعية التقليدية التي كانت تضبط السلوك بصورة تلقائية. لم تختفِ تماماً، لكنها فقدت جزءاً من تأثيرها لصالح خطاب ديني مؤدلج لم ينجح دائماً في أن يحل محلها كضابط أخلاقي فعّال، بل ساهم أحياناً في تغطية سلوكيات تتعارض مع جوهر الدين نفسه.
إن المشكلة، في جوهرها، لم تكن في الدين، بل في طريقة توظيفه. فحين يُستخدم الدين كأداة للفرز، يصبح من الممكن أن يُكافأ المسيء لأنه “منّا”، وأن يُدان المحسن لأنه “من غيرنا”. وهنا يفقد الدين وظيفته الأساسية كمرجعية أخلاقية عادلة، ويتحوّل إلى عنصر انقسام.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن التحول الذي شهده المجتمع السوداني بعد 1989 لم يكن مجرد تغير سياسي، بل كان أيضاً تحولاً في موقع الدين داخل الحياة العامة: من كونه ضابطاً للسلوك الاجتماعي إلى كونه معياراً للانتماء والتصنيف. وهو تحولٌ كانت له كلفته الكبيرة على تماسك المجتمع، وعلى منظومة القيم التي ظلّت، لوقت طويل، تحكم حياة الناس وتضبط علاقاتهم.
ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة الاعتبار للدين كقيمة جامعة، تُقاس بها الأفعال لا الأشخاص، وتُبنى بها الأخلاق لا الانقسامات.
نتيجة حتمية: تحول الدين إلى أداة لفرز (الكيمان)
إن أخطر ما أفرزه هذا التحول لم يكن فقط في تبدّل المعايير الظاهرة، بل في ما ترسّب عميقاً داخل الوجدان الجمعي من نزعات فرزٍ حادّة بين الناس، على أساس الدين وأحياناً العرق. فحين يُعاد تعريف الآخر لا بوصفه شريكاً في الوطن، بل باعتباره نقيضاً دينياً أو ثقافياً، تتكوّن تدريجياً حواجز نفسية صلبة تُضعف التعاطف وتُبرر الإقصاء.
ومع الزمن، لا يقف الأمر عند حدود الاختلاف أو حتى الخصومة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء مواقف ذهنية تُجيز اتخاذ كل ما هو ضد (الآخر)، لأنه لم يعد يُرى كإنسان كامل الحقوق، بل كخصم خارج عن الدائرة. وهنا تحديداً تتعطل القيم التي جاء الدين لترسيخها أصلاً، مثل حرمة الدم، والعدل، والإنصاف.
بهذا المعنى، فإن تحويل الدين إلى أداة لفرز (الكيمان)، مقروناً بعوامل أخرى مثل الاستقطاب السياسي والتوترات العرقية، ساهم في تغذية بيئة نفسية واجتماعية قابلة للعنف. وهي بيئة لا تكتفي بتبرير الإقصاء، بل قد تذهب — في لحظات الانفجار — إلى تبرير أقصى درجاته.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كيف أن هذه التحولات لم تكن مجرد شأن فكري أو اجتماعي، بل كانت من بين الرافعات العميقة التي غذّت مناخ الصراع، وأسهمت — بشكل أو بآخر — في الوصول إلى واقع الحرب الدائرة اليوم، حيث يصبح العنف ممكناً حين يُنزع عن الآخر معناه الإنساني.
إن عملية استعادة التوازن لا تمر فقط عبر تغيير الواقع السياسي، بل تبدأ بإعادة بناء الفكرة نفسها وهي أن الدين يمثل قيمة جامعة تُهذّب السلوك، لا أداة تقسيم تُبرر القطيعة والصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.