في ظهيرةٍ ثقيلةٍ كأنها خرجت من رماد حربٍ بعيدة، وقفت امرأة سودانية أمام مكتبٍ حكومي في “بيالي”، داخل مركز “كريندنغوا” للاجئين، لا تحمل في يديها سوى ما تبقّى من روحها المنهكة… وصبّت على جسدها سؤالاً أخيراً: كم يجب أن يحترق الإنسان ليُرى؟
لم تكن تلك الأم، التي تحمل على كتفيها عبء طفلٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة، تبحث عن موتٍ بقدر ما كانت تصرخ للحياة. لكن العالم، الذي اعتاد أرقام الضحايا أكثر من وجوههم، لم يسمعها إلا حين اشتعلت. في تلك اللحظة، لم تكن النار نارها وحدها، بل كانت امتداداً لحريقٍ أكبر… حريق وطنٍ يُستهلك يومياً، دون أن يجرؤ أحد على إطفائه.
ما حدث في “كريندنغوا” ليس حادثةً معزولة، بل مرآة لليأس المتراكم في صدور آلاف السودانيين الذين وجدوا أنفسهم معلقين بين موتين: موتٍ في الداخل تحت القذائف، وموتٍ بطيء في المنافي حيث تُختبر إنسانيتهم كل يوم. اللاجئ لا يفقد بيته فقط، بل يفقد تعريفه لنفسه… يصبح رقماً في سجل، وحكايةً مؤجلة لا يسأل عنها أحد.
أيُّ وطنٍ هذا الذي يدفع أمهاته إلى احتضان النار؟ وأيُّ عالمٍ هذا الذي يراقب بصمت، كأن المأساة تُعرض خلف زجاجٍ سميك لا يمكن كسره؟
إن الدعوة إلى إيقاف الحرب في السودان لم تعد مطلباً سياسياً، بل صرخةً إنسانية عاجلة. فالحروب، مهما اختلفت شعاراتها، لا تُنجب سوى المقابر ومخيمات اللجوء. وكل يومٍ تستمر فيه هذه الحرب، يُضاف مشهدٌ جديد إلى ذاكرة الألم… طفلٌ يُفقد، أمٌ تُكسر، وإنسانٌ يُدفع إلى حافة اللاعودة.
نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من المؤتمرات بقدر ما نحتاج إلى شجاعة الاعتراف: لا أحد انتصر في هذه الحرب، والجميع خسر… خسروا الوطن حين تحوّل إلى ساحة، وخسروا الإنسان حين أصبح قابلاً للاحتراق كي يُسمع صوته.
تلك المرأة لم تكن تطلب شيئاً مستحيلاً… كانت تطلب فقط أن تعيش. أن يجد طفلها مكاناً آمناً لا تُطارده فيه أصوات الانفجارات، ولا تُطارده فيه قسوة الغربة. كانت تطلب ما يجب أن يكون بديهياً: حق الحياة.
لكن حين يصبح الحق حلماً، والحلم ناراً، ندرك أن الكارثة ليست في الفعل وحده، بل في الطريق الطويل الذي أوصلها إليه.
أوقفوا هذه الحرب… ليس من أجل السياسة، بل من أجل تلك الأم التي لم تجد لغةً سوى اللهب، ومن أجل شعبٍ أنهكته الرحلة بين الموت والنجاة. أوقفوها، لأن الوطن الذي يحترق أبناؤه لا يمكن أن يُبنى من رماده.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.