(سار سبندي).. حين يُوضع “المِحور” على الجرح

نفيسة حجر

“اليوم عندنا سار سبندي” هكذا كانت تقول عمتنا مريم يعقوب “أم دبورة” حين يبلغ القول منتهاه من الصدق الموجع، وتُنطق الحقائق التي يهرب منها الكثيرون. واليوم، لم يعد هناك متسع للمجاملات سنضع “المِحور” في قلب الجرح مباشرة، ولن نغطي النار بـ “العويش”؛ لأن الدخان الذي يحاول البعض إخفاءه بدأ يخنق مستقبل وطن بأكمله.

_”تخدير الوعي”.. وعنصرية “تشخيص” الضحايا

لا يزال البعض يعيش في غيبوبة الخطب الرنانة والأناشيد، ظانين أن أزمات السودان الوجودية يمكن تخديرها بالقصائد.

 هؤلاء “الموهومون” يتجاهلون حقيقة أن الأزمة هي احتكار للدولة من قبل مجموعات إثنية محددة، وصلت ممارساتها حد التطهير العرقي والاستعلاء الذي يرفض الاعتراف بالآخر كشريك أصيل مقولة المدعو عمسيب ليست بعيده عن الازهان حين قال (نحن خلقنا لكي نحكم) .

والأدهى من العنصرية هو تكتيك “الهروب النفسي”؛ فحين يصرخ الضحايا من وطأة الإقصاء، يسارع المستعلون لترويج فرية أن هؤلاء الضحايا “يشعرون بالدونية”، ولذلك يتوهمون العنصرية، هذا الادعاء الماكر يهدف لتجريد القضية من عدالتها وتحويل “جريمة الإقصاء الهيكلي” إلى مجرد “أزمة نفسية” تخص الضحايا وحدهم.

إنهم يمنحون أنفسهم سلطة “تشخيص” الضحية بدلاً من سماع مطالبها، وهو قمة الاستعلاء الذي يرفض الاعتراف بأن الوجع حقيقي وليس “خيالاً” نابعاً من عقدة نقص.

_”فضيحة المايكروفون”.. المسكوت عنه حين يخرج عارياً

ولأن الحقيقة تأبى إلا أن تظهر، فقد جاءت واقعة المحكمة الشهيرة لتعري هذا الفكر حين ظن محامي الدفاع عن رموز النظام المباد، محمد شوكت، في حديث مع زميله أبوبكر عبد الرازق (وكلاهما من كوادر وفلول الحركة الإسلامية)، أن المايكروفون مغلق. وفي نهار رمضان، انطلقت الإساءات العنصرية تجاه مدير التلفزيون السابق لقمان أحمد، حيث وصفه شوكت بعبارة: “العب اب نخرين ده”، متبعاً إياها بتساؤله الاستنكاري: “هو فاكر نفسه حاكم البلد دي؟”.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل جاء رد أبوبكر عبد الرازق ليؤكد القبول الضمني بهذا القبح، حين وافقه بضحكة هازئة وعبارات استهزاء بمؤهلات لقمان العلمية، وهو يثني على كلمات زميله بصلف وشماتة. هذه السقطة الجماعية لم تكن زلة لسان، بل كانت “مانيفستو” يختصر عقيدة ترى في حكم السودان حقاً حصرياً لجهات وإثنيات بعينها.

هذا المسكوت عنه هو ذاته الذي حرك “فلول” النظام المباد في الولايات الشمالية للمطالبة بطرد النازحين من كردفان ودارفور، وهو ذاته الذي تحول اليوم إلى “كراكات” تقتلع آلاف الأسر من جذورها تحت لافتة “القانون”.

“عسكرة الأرض”.. “الكراكة” كأداة للتطهير الاجتماعي

لقد استغلت السلطات بولايتي الخرطوم والجزيرة “عسكرة الحياة العامة” لتنفيذ إزالات طالت نحو 750 ألف منزل في الخرطوم وحده، في أحياء مثل “غبوش، مانديلا، العزبة، وأمبدة”، وهي مناطق تضم نازحين من دارفور وجبال النوبة منذ عقود. هذا الهدم الممنهج وتشريد السكان عبر آليات “الكراكة”، ليس إلا محاولة لتصفية الوجود العرقي والاجتماعي لهذه المكونات في قلب المركز، لإعادة صياغته ديموغرافياً بما يخدم نخب هذه الإثنيات المستعلية.

“كبر العيال”.. الوعي الذي فكَّ طلاسم التهميش

يظن هؤلاء أن أبناء تلك الجهات لا يزالون يرزحون تحت وطأة الأمية، وأنهم سيظلون في “دكة الانتظار” يترقبون الفتات.

 لكن هيهات؛ فالحقيقة التي يرفضون استيعابها هي أن “العيال كبروا”. كبروا وتسلحوا بالعلم الذي فككوا به طلاسم التهميش، وأدركوا أن حقوقهم في السلطة والثروة هي استحقاقات أصيلة تُنتزع انتزاعاً.

هذا الجيل الجديد يعرف أن مطالبه ليست نتاج “دونية” مزعومة، بل هي نتيجة وعي كامل بخلل هيكل الدولة، ولن يتنازل عن كرامته مهما كلف الثمن.

“المواجهة الصفرية”.. أو طريق العدالة الشاملة

إن المطالبة بـ “التوزيع العادل للسلطة والثروة” هي اعتراف بخلل بنيوي.

وحين يصر الطرف المستحوذ، المنتمي لإثنيات معينة ترى في نفسها “وصية” على السودان، على استخدام القوة، وآليات الهدم، وحملات التحريض لحماية امتيازاته، فإنه يسد الطريق أمام أي تسوية عادلة.

هذا التعنت يحول النزاع إلى مواجهة صفرية، تصبح فيها المقاومة بمختلف أشكالها نتيجة حتمية لانسداد أفق العدالة والمساواة.

لقد وضعنا النقاط على الحروف وفقاً لقول عمتنا أم دبورة؛ فإما عدل شامل يعيد هيكلة الدولة السودانية على أسس المساواة، أو أن النار التي يحاولون تغطيتها بـ “العويش” ستحرق كل شيء.

وآخر قولي:

إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي، ولن تعبر به الخطابات المسكنة إلى بر الأمان. إن الاعتراف بالخلل الهيكلي، والإقرار بالمظالم التاريخية، وتفكيك بنى الاستعلاء الإثني، ليست ترفاً سياسياً بل هي شروط بقاء. لقد وُضع “المِحور على الجرح” ولم يعد هناك مجال للمواربة فإما وطن يتسع للجميع على قاعدة العدالة والمواطنة المتساوية، أو شتات يذكي نيرانه صلف الذين يرفضون رؤية الواقع كما هو. فهل بين القوم رجل حكيم يدرك أن زمن الاحتكار قد ولى، وأن كرامة الشعوب لا تقبل القسمة على اثنين؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.