كان محجوب شريف حالةً استثنائية، لا يُختصر في كونه شاعرًا فحسب، بل كان موجةً من العواطف الجيّاشة، وحالةً من الوجد الصوفي العميق. استطاع أن يجعل من القصيدة فعلًا نضاليًا، ومن الكلمة موقفًا أخلاقيًا ملتزمًا، قادرًا على نقل الواقع المعاش بصدق وشفافية.
لم يكن يميل خارج خارطة الوطن، بل كانت بوصلته دائمًا تشير إلى الحقيقة؛ عيناه في اتجاهها، ولسانه ينطق بها دون مواربة أو التواء. كانت لغته تعبيرًا مباشرًا عن معاناة الناس وآمالهم، ولذلك لم يكن غريبًا أن يلتف حوله النقاد والكتّاب، على اختلاف مشاربهم، مجمعين على فرادته.
كان يعرف قدره، صغيرًا كان أو كبيرًا، وقد عبّر عنه الجميع بإجلالٍ نادر. ومن عرف محجوب، فقد عرف الوطن، ومن عرف الوطن، فقد عرف محجوب، كأخلص أبنائه وأكثرهم التصاقًا بترابه وهمومه.
أتحدّث عنه اليوم لا كشاعر فحسب، بل كإنسانٍ صادق عرفته في سنوات الشباب الأولى. كانت معرفتي به عبر صديقي أنور حسن، وكنا حينها نسكن في ما عُرف بـ(بيت النمل) بنسختيه الاثنين في حي الضباط والموردة. لم يكن ذلك المنزل مجرد سكن، بل كان خليةً نابضة بالحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.
كانت فكرة (بيت النمل) تعود إلى فرانسوا عزيز، الذي جاء من سنار للدراسة بجامعة القاهرة (فرع الخرطوم)، وكان في الوقت ذاته يعمل. ضمّ البيت كوكبةً من الشباب، منهم المهندس عادل أحمد طه، وأخوه أزهري أحمد طه، وأنور حسن، وأخوه عباس حسن، وعبد الرحمن كرز، وأستاذ محمود حملاوي، وسليمان عبد الوهاب، وعادل أمير، وكاتب هذه السطور. وكان يتردّد عليه باستمرار عددٌ كبير من الأدباء والفنانين والمثقفين، منهم سامي سالم، وعبد المنعم رحمة الله، ومحمد عبد الخالق، ومحمد محيي الدين، والمدني، ومحمد علي، ومحمد عثمان، وأبو ذر الغفاري، وعمر الطيب الدوش، وغيرهم كثيرون. ومن كثرة الداخلين والخارجين، استحق المكان بجدارة اسم (بيت النمل).
كانت من أبرز نشاطاتنا مناقشة الكتب السياسية والروايات، كم استمتعنا بمناقشة كتب صنع الله إبراهيم وعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، وفنتازيا المكان وجدلية الزمن عند غابرييل غارسيا ماركيز. أمّا الإلقاء الشعري، فكان له طعمه الخاص، خاصةً حين يلقي الشاعر نصّه لأول مرة، مترقبًا صدى كلماته في وجدان الحاضرين. ولا تزال عالقةً بذهني أول مرة ألقى فيها قدّال قصيدته (اليانكي)، وما أعقبها من نقاشات نقدية عميقة.
كانت جلسات العصر غالبًا ما تتحوّل إلى حلقات نقدية ثرّة. أذكر منها نقاشًا مطولًا قاده أسامة الخواض حول البنيوية، تداخل فيه سامي سالم، وتخلّلته ملاحظات نقدية حادة من محمد عثمان. كما لا أنسى تلك الجلسة التي خُصّصت لشعر الدوش والتجاني سعيد، حيث امتزج الإلقاء العفوي بالحكايات، فكان الشعر حيًا نابضًا لا مجرد كلمات.
ومن اللحظات الجميلة كذلك، استماعنا إلى إلقاء ريتا وعبد المنعم رحمة الله، والإبداع اللافت لإلياس فتح الرحمن. وبحكم كثافة النشاط الثقافي، أتذكر يومًا كنت فيه مسؤولًا عن أحد البرامج، فدعوت صديقي خليل عكاشة بمعداته السينمائية، فشاهدنا فيلم (قرية من الجنوب)، واستمتعنا بأغاني مارسيل خليفة، خاصةً (أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي)، كما عرضنا أفلامًا سودانية مثل (الجمل) لشدّاد، ودار حولها نقاش ثري.
في هذا المناخ الثقافي الفريد، كانت معرفتي بمحجوب شريف، وأنا لم أبلغ العشرين بعد، أتحسّس طريقي نحو الوعي. كان حضوره لافتًا منذ اللحظة الأولى: بساطة آسرة، طيبة صادقة، قدرة عجيبة على التغلغل في دواخل الآخرين، واحترام عميق للناس، مع تواضع نادر.
لم يكن حضوره صاخبًا، لكنه كان عميق الأثر؛ كان ينصت أكثر مما يتحدّث، وحين يتحدّث، تشعر أن كلماته خرجت من تجربة حقيقية.
ولا أنسى ذلك اليوم الذي طلبنا منه المشاركة في احتفالية بمدرسة إبراهيم صوميت ضمن نشاط فرعية الموردة. حضر مبكرًا، ولم يكتفِ بالمشاركة الأدبية، بل انخرط معنا في التنظيم، يرصّ الكراسي، ويُعدّ المياه. كنّا يومها صغارًا، لكنه منحنا درسًا عظيمًا، لا في التواضع فحسب، بل في معنى الفعل الإنساني نفسه.
كان محجوب شريف، في جوهره، إنسانًا قبل أن يكون شاعرًا، وقيمةً أخلاقية قبل أن يكون صوتًا شعريًا. لقد كان نموذجًا للمثقف العضوي، الذي لا يكتفي بالتعبير عن الناس، بل يعيش بينهم، ويجسد قضاياهم في سلوكه قبل كلماته.
ولذلك بقي، وسيبقى، شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة موقفًا، وكان الإنسان هو المعيار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.