أبريل لا يُغلق دائرته

نورا عثمان

في الحادي عشر من أبريل، لا يستعيد السودانيون مجرد تاريخٍ عابر، بل يلمسون جرحاً مفتوحاً في ذاكرة الوطن؛ يوم سقط عمر البشير تحت وقع أصوات الشارع، لا لأن السلطة ضعفت فجأة، بل لأن الصبر الشعبي نفد. كان ذلك اليوم إعلاناً بأن الشعوب، مهما طال صمتها، لا تنسى حقها في أن تعيش بكرامة. لكن، وبعد سنواتٍ قليلة، يبدو أن المشهد يعيد نفسه بوجوهٍ مختلفة، وكأن البلاد تدور في حلقةٍ مغلقة، لا تُجيد سوى إعادة إنتاج أزماتها.

اليوم، يقف السودان على تخوم سؤالٍ مُقلق: هل تغيّر شيء فعلاً، أم أن السلطة أعادت ترتيب نفسها فقط؟ فمع استمرار الحرب، وتفاقم معاناة المواطنين، وغياب الأفق السياسي، يتزايد الشعور بأن ما حدث في أبريل لم يُستكمل، وأن جذور الأزمة لا تزال ممتدة في بنية الحكم. اسم البرهان يتردد في هذا السياق، ليس كشخصٍ فقط، بل كرمزٍ لمرحلةٍ تعيد إنتاج ذات المعادلة القديمة: سلطةٌ تُمسك بالقوة، وشعبٌ يدفع الثمن.

لكن هذه المرة، الثمن أفدح. لم يعد الألم محصوراً في الداخل، بل تمدّد خارج حدود البلاد، حيث افترش ملايين السودانيين طرق اللجوء ومخيمات النزوح. في تشاد وأوغندا ومصر وغيرها، تتكرر الحكاية ذاتها: خيامٌ تضيق بأصحابها، وجوهٌ أنهكها الانتظار، وأطفالٌ يكبرون قبل أوانهم تحت وطأة الجوع والخوف. هناك، لا معنى للشعارات، ولا وقت للسياسة؛ فقط صراعٌ يومي من أجل البقاء، وحنينٌ موجع لوطنٍ صار بعيداً حتى وهو يسكن الذاكرة.

في معسكرات النزوح، تتآكل إنسانية الإنسان ببطء. أمّهاتٌ يقتسمن ما تبقى من غذاءٍ شحيح، وآباءٌ يخفون انكسارهم خلف صمتٍ ثقيل، ومرضى لا يجدون دواءً سوى الصبر. كل ذلك يحدث بينما تستمر الحرب، وكأن حياة الناس تفصيلٌ يمكن تأجيله. هنا، يصبح السؤال أكثر قسوة: أيُّ سلطةٍ هذه التي تُبنى فوق أنقاض شعبها؟

التاريخ، وإن بدا بطيئاً، لا يفقد ذاكرته. ما حدث للبشير لم يكن استثناءً، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ طويل من الانفصال عن الناس. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتكرر النهاية حين تتكرر الأسباب؟ لا أحد يملك إجابةً قاطعة، لكن المؤكد أن الشعوب التي كسرت حاجز الخوف مرة، لا تعود كما كانت. قد تتأخر اللحظة، وقد تتعثر، لكنها لا تموت.

في ذكرى 11 أبريل، لا يبدو الأمر احتفالاً بقدر ما هو مراجعة قاسية: ماذا تغيّر، وماذا بقي كما هو؟ وبين هذا وذاك، يظل السودان معلقاً بين ماضٍ لم يُغلق بابه، وحاضرٍ يعيد كتابته بالألم. أما المستقبل، فهو رهنٌ بإجابة سؤالٍ واحد: هل يتعلم هذا البلد من تاريخه، أم يظل يدور في الدائرة ذاتها… حتى يحترق كل شيء؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.