(١)
في فترات إعادة صياغة توازن الضعف بعوامل محلية أو تحولات في الوضع الإقليمي والدولي، تبدأ إعادة تدوير برامج معطبة ومضللة جوهرها الهبوط الناعم وتعويم نظام التمكين، الذي إهتزت الأرض تحت أقدامه ، لكنه لم يسقط بشكل كامل نتيجة لعدم إنكشافه عسكرياً، وإختطاف الجيش من قبل الحركة الإسلامية المجرمة. فبعد تصنيف هذه الحركة المجرمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية كمنظمة إرهابية، وهو تصنيف يعيق تمكينها بمستوى يتناسب مع توظيف دولة التصنيف لقرار تصنيفها سياسياً، تأثر توازن الضعف من حيث مقدرة الدول الداعمة لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية على دعمها بالسلاح والمناورات السياسية، ومن حيث قدرة الحركة أو الجماعة أو سمها ما شئت، على تحريك الأموال المنهوبة من الشعب السوداني والمجنبة من قوته والمتحصل عليها من الفساد المهول والإقتصاد الموازي. وهو أمر وإن لم يؤدي إلى الشلل التام -كما يتوهم البعض – لأنه يخضع للمساومات السياسية وإرادة من يوظفه، فإنه يعيق ويقيد الحركة المعلنة في كل الأحوال، ويضعف الجهة المستهدفة بقدر كافٍ لإعادة تشكيل توازن الضعف. وهذا بالطبع دفعها إلى إتخاذ قرار عدم المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية لضعفها أولا ولعدم إحراج الدول الداعمة لها ثانياً.
(٢)
وفي سياق قرارها الإستراتيجي بعدم المواجهة، قررت المناورة لإحتواء القرار، والعودة لإحياء مشروع الهبوط الناعم القديم، الذي يسمح بتعويم نظامها عبر الحفاظ على التمكين وعدم تفكيك وإزالة النظام. وذلك عبر تضليل واسع حول مفهوم التمكين، ودفع أطراف أصيلة في مشروعها وصانعة لتمكينها على تشويه مفهوم الإنتقال، بطرح مبادرات سياسية تقود إلى مزيد من التمكين وتعويم النظام، مما يستلزم العودة لتعريف الإنتقال مجددا. فالإنتقال لا يتم إلا عبر تفكيك وإزالة التمكين، وتحقيق شعار ثورة ديسمبر المجيدة لبناء دولة جميع المواطنين، بإعتبار أن “الثورة خيار الشعب، حرية سلام وعدالة ” وأن “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات”. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بفهم أن الثورة عملية هدم بشرعية ثورية، وبناء لشرعية ديمقراطية. والهدم في حالتنا الماثلة لا يتم إلا في ظل سلطة مدنية كاملة، لا وجود لعسكريين فيها، وخصوصا جنرالات النظام السابق الواجهة والمختطفين الجيش لمصلحة الجماعة المصنفة كمنظمة إرهابية، وإخضاع الجيش لها إخضاعا كاملاً، بحيث تقوم بإعادة هيكلته وبناءه من جديد، ليصبح أداة فاعلة يواكب إعادة هيكلتها لا دمجها في الجيش الجديد. فالمدخل لأي إنتقال هو إعادة هيكلة الجيش من قبل سلطة مدنية خالصة تمثل الثورة ممثلة في الجبهة القاعدية، والسيطرة عليه وعلى إقتصاده الموازي، وتحل جهاز أمن الجماعة المسمى الأمن الوطني زوراً وبهتانا، وتحل المليشيات، بوصف هذا الثلاثي هو القوة العسكرية والأمنية الضاربة للتمكين، الحامية له والمانعة من أي تحول أو إنتقال. فإجراء الهدم هذا ضرورة حتمية لحدوث اي انتقال، وتجربة ما بعد إنقلاب القصر والوثيقة الدستورية المعيبة تؤكد ذلك، وتوضح أن الإبقاء على جهاز أمن الإنقاذ ليصبح عين سلطة الإنتقال الوهمي، وشراكة الدم مع الجيش المختطف بدلا من إعادة هيكلته بعد إخضاعه لسيطرة قوى الثورة، وإدخال المليشيا المصنوعة لقتل المواطنين في الشراكة، لن يؤدي لأي إنتقال بل سيقود إلى احتواء الثورة ومنع الإنتقال توطئة لتصفية الثورة وتثبيت التمكين لا إعادته كما يتردد. لذلك أي مبادرة تشتمل على وجود اي جسم عسكري في السلطة، هي مبادرة لمنع الإنتقال لا لصنعه. فالجيش الحالي أثبت منذ انقلاب القصر وحتى الحرب الحالية، أنه جيش مختطف ينفذ الخط السياسي للمنظمة الإرهابية ويحمي تمكينها بعنف غير مسبوق، وانخرط في النشاط السياسي بالمخالفة لقانونه لحماية مصالح هذه المنظمة، وأعاق كافة محاولات الإنتقال عبر الشراكة معه وانقلب عليها بإنقلاب عسكري صريح ومن ثم حرب أشعلتها المنظمة الإرهابية للحفاظ على التمكين. ومن يتوهم أنه يستطيع تعويم العسكر مرة أخرى وجعلهم جزءا من مبادرة للإنتقال، فإنه يسوق الوهم لنفسه فقط، ويتناسى أن شعبنا العظيم لن تجوز عليه هذه الألاعيب.
(٣)
والتلويح بأن الانتخابات من الممكن أن تصبح أداة للانتقال قبل تفكيك كامل للنظام بإرادة ثورية إنتقالية تصنع عدالتها وفقا لشروطها، هو مجرد دفاع كامل عن استمرار التمكين قولا واحداً. فمن سيفوز بهذه الانتخابات غير الديمقراطية وغير العادلة معروف منذ الآن. فهو من لديه جهاز أمن جميع أفراده من عضويته (أعضاء في المنظمة الإرهابية أمريكياً)، وجيش مختطف قيادته تنفذ الخط السياسي للمنظمة حرفيا وتتبع كل ما تصرح به وقع الحافر على الحافر، ويسيطر على الإقتصاد الموازي الذي يساوي 82 % من اقتصاد البلاد كما قال (المؤسس) إبان حكومته شبه المدنية المسيطر عليها التمكين عبر العسكريين. فالانتخابات لا تصبح وسيلة إنتقال أو تحول إلى دولة ديمقراطية في ظل دولة يشارك في ادارتها عسكر التمكين، وجهاز أمن التمكين، ومليشيا التمكين ، ولا يمكن أن تقود لإنتقال ومن يديرها اجهزة التمكين من الخدمة المدنية المختطفة والأجهزة العدلية المسيسة والمسيطر عليها من قبل المنظمة الإرهابية. فقبل قيام أي إنتخابات ، لا بد من إخراج الجيش من السياسة وإعادة هيكلته، وإخراجه مع جهاز الأمن من دائرة النشاط الإقتصادي، وإعادة جميع شركاتهما إلى وزارة المالية لحكومة مدنية خالصة، وإستعادة الأموال التي تحت حوزتهما لخزينة الدولة، وإستعادة الأموال التي تحت إيديها ايضاً، حتى لا تتحول الأموال لأموال إنتخابية لشراء الأصوات، ولا تتحول السيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية والخدمة المدنية لأداة في يد المنظمة الإرهابية امريكياً وواجهاتها وتوابعها والقوى المنقسمة عنها للوثوب إلى السلطة وإعادة تدوير التمكين بوجوه جديدة.
فإستعادة الأموال المنهوبة وتهديم الاقتصاد الموازي الذي بنته المنظمة المذكورة وتفكيك شبكاته المحمية أمنياً وعسكرياً، شرط أولى لنجاح أي تحول ديمقراطي عبر الإنتخابات، والتلويح بالإنتخابات قبل تحقيقه، يعني دعوى للإنتخابات في ظل نظام شمولي متمكن إقتصادياً مهما كانت الواجهات التي تقود العملية الانتخابية، التي ستكون مجرد نسخة محسنة ومموهة من إنتخابات المخلوع. وفوق ذلك وبالإضافة إليه، لقيام إنتخابات تقود لإنتقال ، لا بد من وجود أجهزة عدلية مستقلة تحمي هذه الإنتخابات وتراقبها، وخصوصا من ناحية قضائية. فبدون فك إرتباط القضاء بالمنظمة الإرهابية أمريكياً وتكوين قضاء مستقل، سنصل إلى فضيحة تمرير إنتخابات نظام شمولي، وأحكام قضاء شبيهة بأحكام إلغاء قرارات لجنة ازالة التمكين بالمخالفة الإجرائية الواضحة لصريح نصوص القانون. فقبل قيام أي إنتخابات، لا بد من بناء قضاء مستقل بشرعية ثورية، تقصي – نكرر تقصي- كافة قضاة الإنقاذ، وتبني الهيئة القضائية من جديد بعد أن تم تخريبها تماماً. كذلك لا بد من إقصاء الجيش عن السياسة والنشاط الاقتصادي وإعادة هيكلته، وحل المليشيا الإرهابية وجهاز امن المنظمة الإرهابية الحالي وبناء جهاز أمن جديد كذلك.
وهذه المهام بالحتم تحتاج لفترة انتقالية طويلة، تحكم فيها الجبهة القاعدية التي تمثل قوى الثورة، وتشرع القوانين التي تمكنها من تفكيك التمكين وإزالته عبر هيئة تشريعية تكونها من عناصرها في بداية فترة الإنتقال هي بالحتم غير منتخبة ومكونة بشرعية ثورية تقصي التمكين. وبدون ذلك يصبح الحديث عن إنتقال عبر الإنتخابات مجرد إستهبال سياسي يهدف لتثبيت التمكين وتعويم النظام المتهالك للمنظمة الإرهابية امريكياً، وإعفاء المجرمين من المحاسبة عبر تأجيل العدالة إلى ما بعد الانتقال!
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.