السودان… حين تصنع النخب أزماته وتدفع الشعوب ثمنها

عبدالله عيسى كتر عابد

منذ فجر الاستقلال، ظلّت النخب السياسية تتصدر المشهد في السودان، لكنها فعلت ذلك دون قراءة عميقة لطبيعة المجتمع الذي تحكمه.
مجتمع متنوع في تركيبته الأنثروبولوجية والثقافية والعقائدية، كان يفترض أن يكون مصدر قوة وغنى، لكنه تحوّل بفعل سوء الإدارة إلى لعنة تلاحق الدولة وتغذي صراعاتها.
هذا التنوع لم يُدار كقيمة، بل استُخدم كأداة.
أداة لإشعال الفتن، وتأجيج النزاعات، وتكريس الانقسامات.
فبدلاً من أن يكون اختلاف الهويات مدخلاً لبناء دولة عادلة، أصبح وقوداً للحروب، وساهم في إنتاج واقع مأزوم يتجدد فيه العنف وتتعطل فيه مسارات التنمية والاستقرار.
في ظل الحرب الراهنة، تتصاعد موجات العنصرية بشكل مقلق، وتتجلى في مظاهر لم يكن يتخيلها السودانيون.
ومن أخطر هذه المظاهر ما جرى في دلقو، حيث خرجت احتجاجات رافضة لإقامة معسكرات للنازحين الذين فروا من جحيم الحرب.
هذا المشهد لا يمثل مجرد موقف محلي، بل يعد تهديداً مباشراً للوجدان السوداني، وانتهاكاً واضحاً لمبدأ المواطنة الذي يكفل لكل فرد الحق في الإقامة في أي جزء من وطنه.
كما أن هذا السلوك يتعارض مع القانون الدولي الإنساني، الذي يضمن حماية النازحين ويوجب توفير ملاذ آمن لهم، حتى وإن كان خارج حدود أوطانهم.
فكيف يُحرم المواطن من هذا الحق داخل بلده؟
وكيف يتحول الوطن إلى مساحة انتقائية يُقبل فيها البعض ويُرفض فيها آخرون؟
ما يثير القلق أكثر أن هذه الاحتجاجات لا يمكن تفسيرها باعتبارها ردود فعل عفوية فقط، بل تحمل في طياتها مؤشرات على فعل سياسي منظم تقوده بعض النخب.
أما عامة الناس، فهم في كثير من الأحيان مجرد ضحايا لهذا الخطاب، يتم توجيههم واستغلالهم في معارك لا تعكس مصالحهم الحقيقية.
وسط هذا الواقع، تبرز أسئلة ملحّة: هل نحن أمام مرحلة جديدة من إعادة إنتاج الصراع بين النخب والحركات؟
وهل ما يحدث هو نتيجة تصفية حسابات سياسية تتخفى خلف شعارات اجتماعية؟
وهل تملك السلطة القائمة القدرة على فرض القانون ومحاسبة من ينتهك مبدأ المواطنة علناً؟
إن هذه الأسئلة لا تنفصل عن جذور الأزمة السودانية، التي تعود إلى بنية دولة تأسست على تمييز غير معلن، يقوم على مفاهيم العرق والجغرافيا، وإن جرى تغليفه بخطاب ديني أو وطني.
هذه البنية لم تُفكك، بل استمرت في إنتاج نفسها عبر الأجيال، حتى أصبحت جزءاً من الوعي العام.
وتكشف تجربة شخصية عايشتها عن عمق هذه الأزمة.
ففي إحدى الفترات، وأثناء الاعتقال، تعرضت لاعتداء من أحد الأفراد بدافع عنصري، في مشهد يلخص التناقض الذي تعيشه الدولة: ضحية تهاجم ضحية أخرى، بينما تُغذى هذه الانقسامات من أعلى.
لم يكن الأمر صادماً بقدر ما كان كاشفاً لمنهج متجذر، يعيد إنتاج التمييز حتى بين من يفترض أنهم في خندق واحد.
بل إن الخطاب العنصري لم يكن مقتصراً على العامة، بل تسلل إلى مؤسسات الدولة نفسها، حيث تُمارس التفرقة بشكل مباشر أو غير مباشر، وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية على أساس التفوق والانتماء، لا على أساس المساواة.
من هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات الخاطئة.
مسار لم يُعالج جذوره، بل تراكمت فيه الأزمات حتى انفجرت بهذا الشكل.
إن السودان اليوم أمام تحدٍ حقيقي: إما أن يعيد النظر في بنيته الفكرية والسياسية، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، أو أن يستمر في الدوران داخل دائرة الصراعات التي لا تنتهي.
فالدولة التي لا تعترف بكل أبنائها، ولا تساوي بينهم، تظل مهددة من داخلها، مهما حاولت أن تبدو متماسكة من الخارج.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس الحرب وحدها، بل الأفكار التي تبررها، وتمنحها غطاءً أخلاقياً.
وحين تصبح العنصرية مقبولة، أو مسكوتاً عنها، فإن الانهيار لا يكون مسألة وقت، بل نتيجة حتمية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.