مقاربة بين انفصال الجنوب واحتمالات انفصال الغرب في السودان …

عبدالمجيد قرشي

يمثل انفصال جنوب السودان عام 2011 واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في التاريخ الحديث للبلاد، حيث لم يكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من التهميش السياسي والاقتصادي، وسوء إدارة التنوع، وغياب مشروع وطني جامع.
فقد تراكمت الأزمات عبر عقود، إلى أن وصلت إلى نقطة أصبح فيها الانفصال خياراً مطروحاً بقوة، بل ومقبولاً لدى قطاعات واسعة باعتباره مخرجاً من واقع مأزوم.
هذه التجربة تركت آثاراً عميقة، ليس فقط على الدولة الوليدة، بل أيضاً على ما تبقى من السودان، الذي دخل في دوامة من الأزمات المتلاحقة.
في سياق الجنوب، لعبت النخب الحاكمة دوراً حاسماً في دفع البلاد نحو هذا المصير، من خلال سياسات الإقصاء وضعف الاستجابة لمطالب المشاركة العادلة في السلطة والثروة.
وعندما أُتيح خيار تقرير المصير، لم يكن نتيجة عملية سياسية متوازنة بقدر ما كان انعكاساً لفشل طويل في إدارة الدولة.
كما غابت الرؤية الاستراتيجية التي تستوعب تداعيات الانفصال، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى تحديات سياسية واقتصادية وأمنية في كلا الدولتين.
أما في غرب السودان، وبخاصة في دارفور وجبال النوبة، فإن المشهد يبدو مختلفاً رغم تشابه بعض جذور الأزمة.
فقد كشفت الحرب الأخيرة حجم المعاناة والتهميش، لكنها في الوقت ذاته أظهرت تمسكاً ملحوظاً بوحدة البلاد لدى قطاعات واسعة من السكان، مع تصاعد المطالب بالعدالة والتنمية والمشاركة السياسية.
وهذا يعكس اختلافاً جوهرياً عن تجربة الجنوب، حيث كانت فكرة الانفصال أكثر تنظيماً وتجذراً على المستوى السياسي والمؤسسي.
مع ذلك، برزت في بعض الأوساط أصوات ترى في انفصال الغرب حلاً محتملاً للأزمة، مستندة إلى تصورات ضيقة تختزل المشكلة في الاختلافات الثقافية أو الجهوية.
هذا الطرح يعيد إنتاج نفس المنهج الذي قاد إلى انفصال الجنوب، ويتجاهل أن التقسيم لا يعالج جذور الأزمات، بل قد يفتح الباب لمزيد من التفكك.
فالتجارب في الدول الهشة تشير إلى أن الانفصال غالباً ما يؤدي إلى سلسلة من الانقسامات المتتالية، بدلاً من تحقيق الاستقرار.
إن النظر إلى الانفصال كحل سريع يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الأزمة السودانية، التي تتمثل أساساً في اختلال توزيع السلطة والثروة، وضعف مؤسسات الدولة، وفشل إدارة التنوع.
وهذه قضايا لا يمكن حلها عبر إعادة رسم الحدود، بل تتطلب إصلاحات عميقة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والشراكة.
كما أن بعض القوى السياسية، خاصة خلال فترات سابقة، تعاملت مع خيار الانفصال كوسيلة لتقليل الضغوط والحفاظ على النفوذ، وهو نهج قصير المدى لا يراعي المصلحة الوطنية.
تُظهر المقارنة بين التجربتين أن مخاطر التسرع في تبني خيار التقسيم لا تزال قائمة، وأن الدروس المستفادة من انفصال الجنوب لم تُستوعب بشكل كافٍ.
ففي حين لم يؤدِ الانفصال إلى الاستقرار المنشود، بل خلق تحديات جديدة، فإن الواقع في غرب السودان يشير إلى وجود فرصة مختلفة، قائمة على إمكانية معالجة الأزمة داخل إطار الدولة الواحدة، إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك.
بناءً على ذلك، فإن المخرج الحقيقي يكمن في تبني مشروع وطني شامل يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للموارد.
كما أن إطلاق عملية سلام شاملة تعالج جذور النزاع، وليس فقط نتائجه، يمثل خطوة أساسية نحو وقف الحرب واستعادة الاستقرار.
ولا يكتمل هذا المسار دون دور محوري للقوى المدنية، التي يقع على عاتقها تقديم رؤى واقعية تسهم في تجاوز الأزمة، إلى جانب ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة وبنائها على أسس مهنية ومستقلة.
فالتحدي في السودان لا يتعلق فقط بتغيير الوجوه، بل بإعادة صياغة طريقة الحكم نفسها، بما يضمن عدم تكرار الأزمات ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ووحدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.