الجميل الفاضل يكتب: طالع السودان: بين مخاض الجغرافيا، ومواعيد القدر؟!


“كُوشْ.. أَرْضُ الشَّعْبِ الطَّوِيلِ النَّضِيرِ، الْمَخُوفِ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِداً.. أُمَّةِ الْقُوَّةِ وَالدَّوْسِ، الَّتِي خَرَّقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا.. فِي ذلِكَ الْوَقْتِ تُقَدَّمُ هَدِيَّةٌ لِرَبِّ الْجُنُودِ”
— سفر إشعياء، الإصحاح 18
​يكاد لا يوجد إقليم على وجه البسيطة انحبست أنفاس الخرائط عند تخومه كإقليم “السودان”.
ليس فقط لكونه شريطاً جغرافياً يمتد كالحزام يربط خصر القارة السمراء من الأطلسي الصاخب إلى البحر الأحمر المفتوح على بحار النبوءات، بل لأن هذا الإقليم، وفي قلبه “السودان الأوسط” أو السودان الحالي، ظل عبر العصور لغزاً جيوسياسياً عصياً على الترويض، ومحجاً روحياً ضاجاً بالأسرار.
​اليوم، والسودان يمر بأقسى “تنور” صهر في تاريخه الحديث، حيث تتداخل نيران الحرب مع شروخ الديمغرافيا والتدفقات البشرية العابرة للحدود، يبدو المشهد على السطح وكأنه نذير فناء أو تفكك أخير.
لكن، حين نتأمل “طالع السودان” من خلال عدسة ثلاثية الأبعاد: تجمع بين حتمية الجغرافيا، وعمق التاريخ، وإشارات الملكوت والنبوءات القديمة، تتجلي الصورة عن حقيقة أخرى تماماً؛ حقيقة تقول إن ما يحدث ليس احتضاراً، لكنه مخاضٌ قدري لولادة ثانية جديدة.
​حيث ظل السودان عبر تاريخه محكوماً بـ “الامتداد الأفقي”.
إذ أن الإنسان الممتد من سواحل السنغال ومالي، مروراً بحوض بحيرة تشاد، وصولاً إلى مقرن النيلين في الخرطوم، أو الي سواحل البحر الأحمر، هو إنسان يرتدي النسيج البيئي والثقافي والمناخي نفسه.
إنه حزام الساحل وحزام السافانا، حيث يتماهى الدم، وتتشابه أنماط الرعي والزراعة المطرية، لتتحرك القبائل بحرية فطرية نادرة لا تعترف بحدود.
​هذا الانسجام الأفقي ضربه الاستعمار الأوروبي في مقتل حين رسم حدوداً “عمودية” قسرية في مؤتمر برلين (1884). جمعت هذه الخطوط الرأسية بين بيئات متناقضة ثقافةً وفكراً ومناخاً، فربطت الشمال الصحراوي بالوسط الساحلي والجنوب الاستوائي، مما خلق كيانات سياسية قلقة (كالسودان القديم قبل الانفصال، أو مالي).
​وفي أتون الحرب الحالية، استيقظ هذا المارد الأفقي مجدداً، ولكن بصورة جعلت بعض المحللين يَرون في المشهد تهديداً بابتلاع الدولة النيلية المستقرة لصالح ثقافة الساحل المسلحة.
بمظنة أن هذه الفرضية ستكون هي الكلمة الأخيرة في كتاب القدر؟
​رغم أن هذا “المصب البشري” والسر الروحي الكامن فيه، ظل يميز السودان الأوسط (السودان الحالي) بكونه “إسفنجة ديمغرافية” عجيبة.
بحسبان أنه كان نقطة توازن جاذبة للهجرات من الغرب عبر طريق الحج التاريخي الذي وطّن ملايين العائلات من الشعوب العابرة، وكذا من الشرق صار ملاذا للاجئي حروب ومجاعات القرن الإفريقي، وحتى من جنوب السودان في أوج الحرب الأهلية، كان الجنوبيون ينزحون نحو الشمال الذي يحاربهم، في ظاهرة أنثروبولوجية فريدة تثبت أن هذا “الوسط النيلي” يملك طاقة جذب واستيعاب وصهر لا تملكها أي بقعة أخرى في القارة.
لكن ​هذه “الجاذبية” لم تكن مجرد مصادفة اقتصادية أو مائية، إنما كانت هي انعكاس لـ “طالع روحي” خُبئ لهذه الأرض.
ففي التراث الصوفي، وتحديداً في إشارات الشيخ الأكبر ابن عربي، وفي كتاب الإبريز لسيدي عبد العزيز الدباغ، تُذكر بلاد السودان بوصفها خزاناً عظيماً للأولياء والأوتاد والأبدال.
غير أن ميزتهم الكبرى عبر القرون كانت “الخفاء”؛ فهم أولياء يعيشون في طوايا البساطة والفقر والتدين الفطري اللين، يمسكون بأعمدة القلوب مديحاً ومحبةً، دون صخب حضاري أو ادعاء.
وفي ​مواعيد الملكوت الكبري وفي النبوءات القديمة ​حين تضيق خرائط السياسة، وتتحدث المدافع، يفتح العارفون كتب النبوءات ليطالعوا مثل هذا “الطالع الحقيقي”. ففي التوراة، تُذكر “كوش” (السودان التاريخي) في نحو 25 موضعاً، لا كسياق عابر، لكن كأرض للابتلاء الشديد المتبوع بالرفعة والهدية الربانية.
الأنهار التي “خرقت أرضها” في نبوءة إشعياء ليست مجرد مياه، لكنها من صروف الزمان والحروب التي تجرف الاستقرار الظاهري، لتهيئ الشعب “المخوف المتين” لدوره الروحي المنتظر.
​وفي السنة النبوية المطهرة، تشرق إشارات واضحة تمنح هذا الإنسان خصوصية سِياديّة، كالحديث الشريف الذي جاء بلغة الأمر:
​”اتَّخِذُوا السُّودَانَ فَإِنَّ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: لُقْمَانُ الْحَكِيمُ، وَالنَّجَاشِيُّ، وَبِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ”.
​هذه السيادة الروحية المرتكزة على الفطرة والنقاء والصلابة في الحق، تتقاطع مع إشارات المحققين من أهل الكشف حول “استكمال الثلة” من الصالحين في آخر الزمان من هذه الطينة الطاهرة التي لم تتلوث بماديات العصر وجحودها.
​إذاً فإن طالع المستقبل.. ما بعد الغربلة والصهر ​يجعل هذه الحرب الحالية، ليست نهاية للسودان، لكن يجعل منها مرحلة فرز أعظم وغربلة صارمة.
إنها “التنور” الذي يغلي ليقذف بالخبث الوافد والدخيل، الذي يمهد لصهر السبيكة السودانية الأصيلة بعد تخليصها من شوائبها.
​وبناءً على هذا، يقف طالع السودان مستقبلاً على مشارف تحولات كبرى تتجاوز سيناريوهات التقسيم، ​لتصبح حالة الانكسار والاضطرار التام التي يعيشها الإنسان السوداني اليوم هي البوابة الميتافيزيقية للفتح.
امام هذا الشعب الذي صبر على الضيم، وتشتت في الآفاق، كي يُعاد إعداده ليكون “رقم الأمة الصعب” في النهضة الروحية القادمة.
وبالتالي فإن ​انبعاث “الوسط المشع”، لن يقود الي ابتلاع الساحلُ لوادي النيل، أو لإنكفاء النيلُ عن عمقه الأفقي.
الطالع يشير إلى أن السودان الحالي سيعود، بعد انقشاع الغبار، ليمثل مركز إشعاع روحي واقتصادي يربط القرن الإفريقي بغربه، ولكن على أسس من الوعي والمواطنة الحاسمة التي تميز بين “التعايش الفطري” و”الاستباحة العابرة للحدود”.
لت​تجلّي البركة، التي تجعل من الثروات الطبيعية الكامنة بأراضي السودان، والتي يسيل لها لعاب القوى الدولية اليوم وتتصارع عليها بالوكالة ليست سوى “الرزق المخبأ” ليوم النهوض.
ستلتئم جراح هذه الفسيفساء بطرق تخرق العادات السياسية المتوقعة، لتتحول الأرض التي أُنهكت بالحروب إلى واحة كفاية وأمن حين تجف بقية الأصقاع.
ولذا س​يخطئ من يقرأ طالع السودان من فوهات البنادق أو تقارير غرف المخابرات الدولية فحسب.
المهم فالأرض التي دعي لها الأنبياء، واحتضنت صحابة الهجرتين، وضمت في حناياها ملايين الصالحين الأخفياء، هي أرض محمية بـ “السر”.
وفي ظني أن الفسيفساء السودانية المعقدة تشهد اليوم إعادة ترتيب لحباتها بـ “يد القدر”، لتخرج في النهاية لوحة بديعة تؤكد صدارة هذا البلد في جغرافية الأرض، ومواعيد السماء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.