في سباق مع الزمن لاحتواء واحدة من أعقد الأزمات في المنطقة، تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها عبر جولات مكوكية يقودها المبعوث الخاص بيكا هافيستو، في محاولة لرأب الصدع السوداني وفتح نافذة نحو السلام. لكن، وبينما تبدو مؤشرات الانخراط الدولي إيجابية، تلوح في الأفق تحديات داخلية معقدة، على رأسها ما يُوصف بعراقيل التيار الإسلامي، ما يطرح تساؤلات جدية حول فرص نجاح هذه الجهود.
وخلال الأيام الماضية، تنقّل هافيستو بين عواصم ومراكز ثقل سودانية، ملتقيًا برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، إلى جانب قوى مدنية وشبابية، وحركات مسلحة، من بينها حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. وتعكس هذه اللقاءات محاولة أممية لبناء أرضية مشتركة بين أطراف متباعدة، عبر التركيز على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة.
وتشير إفادات الأمم المتحدة، على لسان المتحدث ستيفان دوجاريك، إلى أن جميع الأطراف أبدت استعدادًا للتعاون، وهو ما اعتُبر مؤشرًا “مشجعًا”. غير أن هذا التفاؤل يظل حذرًا، في ظل واقع سياسي وأمني معقد، حيث تتداخل المصالح وتتعدد مراكز القرار.
وفي المقابل، تبرز اتهامات متزايدة لما يُعرف بالتيار الإسلامي داخل السودان بمحاولة عرقلة أي مسار تفاوضي لا يخدم عودته إلى المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن بعض هذه القوى لا تزال تراهن على الحسم العسكري أو إعادة إنتاج نفوذها عبر الفوضى، ما يجعلها غير متحمسة لإنجاح مبادرات التسوية.
هذا العامل، بحسب محللين، قد يشكّل “عقدة التعطيل” الأساسية، إذ لا تقتصر الأزمة على صراع بين الجيش والدعم السريع، بل تمتد إلى صراع أعمق حول مستقبل السلطة وهوية الدولة. كما أن وجود أطراف غير منخرطة بشكل مباشر في المفاوضات، لكنها تملك تأثيرًا على الأرض، يزيد من تعقيد المشهد.
ورغم ذلك، تحاول الأمم المتحدة توسيع دائرة الحوار من خلال إشراك الشباب والمجتمع المدني، كما حدث في نيروبي، حيث طُرحت رؤى تدعو إلى دور محوري للشباب في بناء السلام، ومعالجة قضايا حيوية مثل انهيار التعليم والأوضاع الإنسانية المتدهورة.
كما تسعى الجهود الأممية إلى تعزيز “تدابير بناء الثقة”، وهي خطوة مفصلية لتهيئة المناخ لأي اتفاق مستقبلي. إلا أن نجاح هذه التدابير يظل رهينًا بمدى التزام الأطراف وقدرتها على تقديم تنازلات حقيقية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
وتبدو جولات هافيستو محاولة لإعادة هندسة المشهد التفاوضي السوداني، عبر جمع خيوط متشابكة على طاولة واحدة. لكن الطريق إلى السلام لا يزال محفوفًا بالتحديات، خاصة مع وجود قوى قد ترى في الاستقرار تهديدًا لمصالحها.
وعلى أي حال، وبين زخم التحركات الدولية وتعقيدات الداخل، يبقى السؤال قائمًا: هل تنجح الدبلوماسية الأممية في اختراق جدار الأزمة، أم أن عراقيل الفاعلين المحليين ستبقي السودان عالقًا في دائرة النزاع؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.