شحنات عسكرية جديدة إلى بورتسودان تثير التساؤلات حول جدية مسار الحوار تعزيزات ميدانية في توقيت سياسي حساس

تقرير: عين الحقيقة

أثار الحديث عن وصول شحنات عسكرية جديدة إلى مناطق سيطرة الحكومة في بورتسودان موجة من التساؤلات بشأن مستقبل الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، خاصة في ظل التصريحات المتكررة التي تتحدث عن أهمية الحوار والتسوية السياسية كمدخل لإنهاء الصراع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الساحة السودانية تحركات دبلوماسية وإقليمية متواصلة لإحياء مسارات التفاوض وتهيئة الظروف المناسبة لوقف إطلاق النار، ما دفع مراقبين إلى التساؤل حول مدى انسجام التعزيزات العسكرية الجديدة مع الخطاب السياسي الداعي إلى الحوار.

تواجه قيادة الجيش السوداني انتقادات من قوى سياسية ومدنية ترى أن الخطاب الداعي إلى الحوار لا ينسجم مع استمرار العمليات العسكرية والتعبئة الميدانية..

بين لغة التفاوض ومنطق السلاح
يرى محللون أن استمرار تدفق المعدات العسكرية إلى ساحات القتال يبعث برسائل متناقضة إلى الأطراف المحلية والدولية المعنية بالأزمة السودانية. ويقول الباحث في شؤون النزاعات الدكتور محمد الأمين إن أي عملية سياسية تحتاج إلى إجراءات لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، موضحاً أن “التوسع في التحشيد العسكري غالباً ما يخلق انطباعاً بأن الأطراف ما تزال تراهن على الحسم الميداني أكثر من رهانها على التسوية السياسية”.
ويضيف أن نجاح أي حوار يتطلب إظهار التزام عملي بخفض التصعيد، وليس فقط الاكتفاء بالتصريحات السياسية.
انتقادات لموقف قيادة الجيش
وتواجه قيادة الجيش السوداني انتقادات من قوى سياسية ومدنية ترى أن الخطاب الداعي إلى الحوار لا ينسجم مع استمرار العمليات العسكرية والتعبئة الميدانية. وتعتبر هذه القوى أن أي حديث عن تسوية سياسية يفقد كثيراً من مصداقيته عندما يتزامن مع تعزيز القدرات القتالية وتوسيع الاستعدادات العسكرية، مشيرة إلى أن ذلك قد يشجع على إطالة أمد الحرب بدلاً من خلق مناخ مناسب للتفاوض. وفي المقابل، يرى مؤيدو الجيش أن تعزيز القدرات العسكرية لا يتعارض بالضرورة مع المسار السياسي، ويؤكدون أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى حماية مواقعها ومناطق سيطرتها في ظل استمرار المواجهات.

يحذر مراقبون من أن استمرار الرهان على الحلول العسكرية قد يؤدي إلى إضعاف المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقف الحرب.

مخاوف من تعثر المبادرات الدولية
ويحذر مراقبون من أن استمرار الرهان على الحلول العسكرية قد يؤدي إلى إضعاف المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقف الحرب. فخلال الأشهر الماضية، تكررت الدعوات الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وعدد من الدول الفاعلة لضرورة التوصل إلى وقف شامل للأعمال القتالية وفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية شاملة. ويرى الخبير السياسي عبد الرحمن عثمان أن وصول شحنات عسكرية جديدة في هذا التوقيت “قد يُفسَّر من قبل كثيرين باعتباره مؤشراً على أن أولوية بعض الأطراف ما تزال تحقيق مكاسب ميدانية، وليس تقديم تنازلات سياسية متبادلة”.
الحرب تواصل استنزاف السودان
ومع استمرار تدفق السلاح وتوسع الاستعدادات العسكرية، تتفاقم الأزمة الإنسانية التي تصنفها منظمات دولية ضمن الأسوأ عالمياً، حيث يعاني ملايين السودانيين من النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. ويرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري جديد، بغض النظر عن الطرف المستفيد منه، سيؤدي إلى زيادة معاناة المدنيين وإطالة أمد الصراع، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى خطوات عملية تعيد الثقة في فرص السلام.
اختبار حقيقي لمصداقية الحوار
في ظل هذه المعطيات، تبدو الدعوات إلى الحوار أمام اختبار حقيقي. فبينما تؤكد التصريحات الرسمية أهمية الحل السياسي، يرى منتقدون أن المعيار الأساسي للحكم على جدية تلك الدعوات يظل مرتبطاً بالأفعال على الأرض، ومدى استعداد الأطراف المتحاربة للانتقال من منطق السلاح إلى منطق التفاوض. ويبقى السؤال مطروحاً: هل تمثل التعزيزات العسكرية الأخيرة جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تحسين المواقع قبل أي تسوية محتملة، أم أنها مؤشر على استمرار الرهان على الحسم العسكري؟ وهو سؤال ستجيب عنه تطورات الميدان ومسارات السياسة خلال الفترة المقبلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.