حين تُحاصَر فرص السلام

نورا عثمان

في كل مرة يلوح فيها أفقٌ خافت للسلام في السودان، تظهر قوىٌ بارعة في إطفاء الضوء قبل أن يكتمل. ومع اقتراب انعقاد مؤتمر برلين، الذي يُعوَّل عليه دولياً لفتح نافذة نحو وقف العدائيات وتأمين المساعدات الإنسانية، تتصاعد محاولات الإجهاض من أطرافٍ لا ترى في السلام مصلحة، بل تهديداً مباشراً لبقائها. هنا، لا يصبح الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة إرادات بين من يريدون إنهاء الحرب… ومن يقتاتون على استمرارها.

التحذيرات القانونية التي صدرت في المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لأفراد من الجالية السودانية، بشأن عواقب التحريض على العنف أو دعم الحرب، لم تأتِ من فراغ. إنها تعكس قلقاً متزايداً من نشاطات تُدار من الخارج، تستهدف تأجيج الصراع في الداخل، سواء عبر الخطاب الإعلامي أو حملات التعبئة المنظمة. في هذا السياق، تتجه أصابع الاتهام نحو جماعات محسوبة على التيار الإسلامي، التي ترى في أي تسوية سياسية نهاية محتملة لنفوذٍ بُني على الفوضى، لا على الاستقرار.

مؤتمر برلين، بمشاركة قوى دولية وإقليمية فاعلة، ليس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل اختبار حقيقي لمدى جدية المجتمع الدولي في كسر دائرة العنف. غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل في تحييد القوى التي تعمل في الظل لإفشال أي تقارب. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحرب في السودان لا تُدار فقط بالبندقية، بل أيضاً بالشبكات المعقدة التي تعيد إنتاجها كلما اقتربت نهايتها.

وسط هذا المشهد، يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً: إلى أي حد يمكن أن يُسمح باستغلال الشتات السوداني كأداة لتمديد الحرب؟ فالجاليات، التي خرجت أصلاً هرباً من جحيم الصراع، تجد نفسها اليوم في مواجهة مسؤولية مضاعفة—إما أن تكون صوتاً للسلام، أو تتحول، عن قصدٍ أو غير قصد، إلى امتدادٍ لصوت الحرب.

ما يحدث الآن هو صراع بين زمنين: زمنٍ يريد أن يطوي الصفحة، وزمنٍ يصرّ على إبقائها مفتوحة ولو على حساب دماء الأبرياء. وبينهما، يقف السودان معلقاً، ينتظر لحظة صدقٍ نادرة، تُقدَّم فيها مصلحة الناس على حسابات السلطة. فإما أن ينجح برلين في فتح الطريق… أو يُضاف إلى قائمة المدن التي شهدت محاولة سلامٍ أخرى، انتهت إلى لا شيء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.