خيوط الظلام التي لا تُرى.. والأيادي الخفية خلف تأجيج النزاعات القبلية في دارفور (4)

الطيب مادري حسن

في كثير من الأحيان تبدو النزاعات القبلية وكأنها صراعات محلية نابعة من خلافات تقليدية حول الأرض أو الموارد أو الحواكير، غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تكشف أن بعض الصراعات تتجاوز أسبابها المعلنة لتصبح جزءاً من حسابات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً. وهذا ما يدفع إلى التساؤل حول حقيقة ما يجري في بعض مناطق دارفور، وما إذا كانت هناك أطراف تعمل في الظل على تغذية النزاعات وإدامة حالة الاستقطاب بين المكونات الاجتماعية.
وعند النظر إلى الصراع الذي اندلع بين قبيلتي بني هلبة والسلامات خلال السنوات الأخيرة، يبرز سؤال جوهري: هل كانت الأسباب التقليدية وحدها كافية لإشعال هذا القدر من العنف واستمراره، أم أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تأجيج المشهد وتوجيهه نحو مزيد من الدماء والانقسام؟
لقد عرفت القبيلتان، عبر عقود طويلة، علاقات اجتماعية متداخلة قامت على التعايش المشترك والمصالح المتبادلة والمصاهرة والتعاون في مختلف مناحي الحياة. ورغم ما شهدته المنطقة من توترات متفرقة في بعض المراحل، فإنها لم تصل إلى المستوى الذي يهدد النسيج الاجتماعي بصورة مستمرة، كما هو الحال اليوم.
ومع اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، دخلت دارفور مرحلة جديدة من الاضطراب الأمني والسياسي، وبدأت تظهر على السطح صراعات قبلية أكثر حدة واتساعاً. وفي ظل غياب الدولة وتراجع مؤسسات إنفاذ القانون، أصبحت البيئة مهيأة تماماً أمام القوى الساعية إلى الاستثمار في الانقسامات الاجتماعية وتحويلها إلى أدوات لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.
ويرى مراقبون وفاعلون محليون أن بعض الشبكات والتنظيمات ذات الامتدادات السياسية والأيديولوجية وجدت في حالة الفوضى فرصة لإعادة ترتيب نفوذها داخل الإقليم عبر تغذية التوترات بين المكونات القبلية المختلفة. وتذهب بعض الآراء إلى أن تنسيقيات وعناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية، أو بجهات تسعى إلى إعادة إنتاج نفوذها السياسي، قد تكون من بين الأطراف المستفيدة من استمرار حالة الاستقطاب والاقتتال، وذلك من خلال نشر الشائعات وخطابات الكراهية والتعبئة القبلية.
ورغم أن مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة قاطعة وإثباتات موثقة، فإن المستفيد الأول من تفكك النسيج الاجتماعي في دارفور هو كل من يسعى إلى إضعاف المجتمعات المحلية ومنعها من تشكيل موقف موحد تجاه القضايا المصيرية التي تواجه الإقليم والسودان عموماً.
إن أخطر ما في هذه الصراعات ليس عدد الضحايا أو حجم الخسائر المادية فحسب، بل قدرتها على هدم الثقة التاريخية بين المجتمعات المحلية وتحويل الجار إلى خصم، والشريك إلى عدو. وعندما تنجح الأيادي الخفية في زرع الشكوك والكراهية، تصبح إعادة بناء السلام أكثر صعوبة من إيقاف الحرب نفسها.
لذلك، فإن مسؤولية القيادات الأهلية والمثقفين والقوى السياسية والمجتمعية اليوم لا تقتصر على إدانة العنف، بل تمتد إلى كشف الجهات التي تستفيد من استمرار النزاعات، ومواجهة خطاب الكراهية، والعمل على إعادة ترميم جسور الثقة بين القبائل التي عاشت لعقود طويلة في حالة من التعايش والاستقرار.
إن دارفور لا تحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مشروع اجتماعي وسياسي يعيد الاعتبار لقيم التعايش والعدالة وسيادة القانون. أما خيوط الظلام التي لا تُرى، فلن تنقطع إلا عندما يدرك الجميع أن المستفيد من الحرب ليس القبائل التي تدفع الثمن، بل أولئك الذين يديرون المشهد من خلف الستار.
غداً نسرد من المستفيد من هذا الصراع، وكيف جرى توظيفه لخدمة أجندات خفية، حتى تتكشف خيوط الظلام وتنجلي الحقائق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.