من التعايش إلى الصراع… كيف سيّست الحركة الإسلامية القبيلة؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تكن القبيلة في السودان مجرد إطار للانتماء الاجتماعي، بل مثّلت، عبر عقود طويلة، إحدى ركائز التماسك المجتمعي وآليات حل النزاعات وحفظ السلم الأهلي. غير أن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية دفعت بهذا المكوّن الاجتماعي إلى قلب الصراع السياسي، إذ يرى مراقبون أن نظام الحركة الإسلامية عمل على توظيف البنى القبلية والإدارات الأهلية ضمن مشروعه السياسي والأمني، ما أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المجتمعات المحلية وإضعاف مفهوم المواطنة لصالح الولاءات الضيقة.

باحثون: سنوات حكم الإسلاميين شهدت تصاعداً ملحوظاً في الاعتماد على القيادات الأهلية كأدوات للحشد السياسي وضمان الولاء للسلطة..

ويشير باحثون في الشأن السوداني إلى أن سنوات حكم الإسلاميين شهدت تصاعداً ملحوظاً في الاعتماد على القيادات الأهلية كأدوات للحشد السياسي وضمان الولاء للسلطة، عبر ربط النفوذ المحلي بمراكز القرار، وتوظيف الانتماءات القبلية في إدارة الصراعات وتوزيع الموارد والمناصب.

من التعايش إلى الاستقطاب

وفي هذا السياق، قال أحد قيادات الإدارة الأهلية في دارفور، فضّل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، إن تجربة الحركة الإسلامية أسهمت في تحويل القبيلة تدريجياً من مؤسسة اجتماعية إلى رافعة سياسية تُستخدم في إدارة التنافس على السلطة والنفوذ. وأضاف أن تراجع دور مؤسسات الدولة المدنية جعل بعض الزعامات الأهلية جزءاً من شبكة النفوذ السياسي، الأمر الذي انعكس على طبيعة النزاعات المحلية التي باتت أكثر تعقيداً وتشابكاً مع المصالح السياسية. وفي مناطق عديدة من السودان، لا سيما في دارفور وكردفان وشرق البلاد، تداخلت النزاعات التقليدية حول الأرض والموارد مع حسابات النفوذ السياسي، ما جعل احتواء تلك الأزمات أكثر صعوبة وتعقيداً.

الإدارة الأهلية بين الدور المجتمعي والاستغلال السياسي

خلال العقود الماضية، شهدت بعض المناطق إعادة تشكيل للهياكل الأهلية وظهور كيانات جديدة، وسط اتهامات للسلطة السابقة باستخدام هذه المؤسسات لتوسيع نفوذها السياسي. ويقول مراقبون إن هذا النهج أدى إلى تسييس الإدارة الأهلية وإضعاف دورها التاريخي كوسيط محايد بين المكونات الاجتماعية. وأصبحت بعض النزاعات المحلية، التي كانت تُعالج عبر الأعراف والوساطات التقليدية، جزءاً من معادلات الصراع السياسي، الأمر الذي أسهم في إطالة أمدها وتعقيد فرص تسويتها.

مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، وجد آلاف الشباب أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ جعلهم أكثر عرضة للاستقطاب والتعبئة المسلحة..

الشباب وقود الصراعات

ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، وجد آلاف الشباب أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ جعلهم أكثر عرضة للاستقطاب والتعبئة المسلحة. ويرى مختصون أن غياب فرص التنمية والتوظيف أسهم في تحويل بعض الشباب إلى أدوات في الصراعات المحلية والمواجهات المسلحة، فيما استُخدمت الخطابات القبلية والجهوية لتعبئة المقاتلين وتبرير استمرار النزاعات. ويحذر خبراء من أن هذه الظاهرة لا تهدد الأمن فحسب، بل تؤسس لثقافة عنف طويلة الأمد، وتضعف فرص بناء مجتمع مدني مستقر وقادر على تجاوز الانقسامات.

صناعة الخوف وتآكل الثقة

من أخطر نتائج تسييس القبيلة انتشار خطاب التخويف والشك بين المكونات الاجتماعية المختلفة. فبدلاً من ترسيخ ثقافة التعايش والتكامل، أسهمت النزاعات المتكررة في تعزيز الانقسامات وإعادة إنتاج العداوات التاريخية. ويؤكد ناشطون في مجال بناء السلام أن النزاعات القبلية لا تبدأ عادةً بالسلاح، بل بخطابات التعبئة والاستقطاب والتحريض التي تسبق المواجهات المسلحة، ما يجعل مواجهة خطاب الكراهية جزءاً أساسياً من جهود منع النزاعات وبناء الثقة بين المجتمعات المحلية.

تحذيرات سياسية

وفي أحدث المواقف السياسية المرتبطة بتنامي العنف الأهلي، حذر حزب الأمة القومي من خطورة تجدد المواجهات بين قبيلتي بني هلبة والسلامات، معتبراً أن استمرار النزاعات القبلية يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي والتماسك المجتمعي. وقال الحزب، في بيان تلقته «عين الحقيقة»، إن استمرار دوامة العنف لا يفضي إلا إلى مزيد من الدماء والمعاناة، ويعمّق الشروخ بين المكونات الاجتماعية التي جمعتها عبر التاريخ روابط التعايش والمصالح المشتركة.

كما حذر من أن الانتشار الواسع للسلاح وتداعيات الحرب الجارية في البلاد قد يدفع بالنزاعات المحلية إلى مستويات أكثر خطورة، ويهدد فرص الاستقرار والسلام المستدام. وتعكس هذه التحذيرات حجم القلق المتزايد من تحول النزاعات القبلية إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه السودان في ظل الانهيار الأمني وتراجع مؤسسات الدولة.

دفعت مناطق عديدة في السودان ثمناً باهظاً لهذه الصراعات، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو موجات النزوح، أو تراجع النشاط الاقتصادي وتعطيل جهود التنمية.

كلفة باهظة على السلم الاجتماعي

دفعت مناطق عديدة في السودان ثمناً باهظاً لهذه الصراعات، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو موجات النزوح، أو تراجع النشاط الاقتصادي وتعطيل جهود التنمية. ويرى مراقبون أن استمرار توظيف القبيلة في الصراع السياسي يهدد فرص بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، ويجعل من النزاعات الأهلية أداة دائمة لإعادة إنتاج الأزمات وإطالة أمد عدم الاستقرار.

هل يمكن استعادة الدور الطبيعي للقبيلة؟

رغم الانتقادات الواسعة لتسييس القبيلة، يؤكد باحثون أن المشكلة لا تكمن في القبيلة نفسها، وإنما في توظيفها السياسي. فالقبائل السودانية لعبت، عبر تاريخها، أدواراً مهمة في حفظ الأمن الاجتماعي واحتواء النزاعات وتعزيز قيم التكافل والتعايش. ويبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين في بناء مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة المدنية، ويفصل بين العمل السياسي والبنى الاجتماعية التقليدية، بما يسمح باستعادة القبيلة لدورها الطبيعي كإطار للتضامن الاجتماعي، لا كأداة للصراع والاستقطاب. ومع استمرار الحرب وتزايد النزاعات المحلية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى معالجة جذور الأزمة، وتجفيف منابع التعبئة القبلية، وتعزيز ثقافة المواطنة وسيادة القانون، باعتبارهما الضمانة الحقيقية للسلم الأهلي والاستقرار المستدام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.