أصوات أُقصيت من المشهد تقارير تتحدث عن إبعاد معارضين للتيار الإسلامي من داخل الجيش السوداني
تقرير: عين الحقيقة
تثير تقارير وتسريبات متداولة في الأوساط السياسية والعسكرية تساؤلات متزايدة حول طبيعة التغيرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية السودانية خلال سنوات الحرب، خاصة فيما يتعلق بمصير الضباط الذين كانوا يدعون إلى الحلول السياسية أو يعارضون تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل الجيش. وبحسب هذه التقارير، فإن عدداً من الضباط الذين أبدوا تحفظات على توجهات المجموعات الإسلامية النافذة داخل المؤسسة العسكرية جرى إبعادهم من مواقع مؤثرة أو تهميش أدوارهم خلال مراحل مختلفة من الصراع، الأمر الذي ساهم في إعادة تشكيل مراكز القرار داخل الجيش بصورة ملحوظة.
مراقبون: الحرب أوجدت بيئة سمحت بتعزيز نفوذ التيارات الأكثر تشدداً داخل بعض دوائر صنع القرار العسكري، في وقت تراجعت فيه الأصوات التي كانت تدعو إلى التفاوض والحلول السياسية.
تضييق مساحة الرأي المختلف
يرى مراقبون أن الحرب أوجدت بيئة سمحت بتعزيز نفوذ التيارات الأكثر تشدداً داخل بعض دوائر صنع القرار العسكري، في وقت تراجعت فيه الأصوات التي كانت تدعو إلى التفاوض والحلول السياسية. ويقول الباحث في الشؤون السياسية الدكتور محمد الأمين إن الحروب غالباً ما تؤدي إلى صعود التيارات التي تتبنى خطاباً أكثر صرامة، بينما تتراجع فرص الأصوات الداعية إلى التسوية والتوافق، خاصة عندما يصبح القرار العسكري هو العامل الحاسم في إدارة الدولة. ويضيف أن السودان شهد خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً لدور الشخصيات التي كانت تنادي بضرورة الحفاظ على المسار السياسي وعدم الانزلاق نحو حرب طويلة الأمد.
خسارة الكفاءات والخبرات
ويحذر خبراء من أن إبعاد الضباط أصحاب الخبرة والرؤى المختلفة قد يؤثر سلباً على قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة الأزمات المعقدة التي تواجه البلاد. ويقول اللواء المتقاعد عبد الرحمن الطيب إن الجيوش المهنية تعتمد عادة على التنوع في الآراء داخل دوائر القيادة، موضحاً أن وجود أصوات تدعو إلى الحلول السياسية لا يتعارض مع الواجب العسكري، بل يسهم في تقديم تقديرات أكثر توازناً للقيادة العليا. وأضاف أن غياب هذا التنوع قد يؤدي إلى هيمنة رؤية واحدة على عملية اتخاذ القرار، وهو ما يزيد من احتمالات الأخطاء الاستراتيجية في القضايا المصيرية.
نفوذ متزايد للتيارات العقائدية
وتربط بعض التحليلات بين عمليات الإبعاد أو التهميش وبين تنامي نفوذ المجموعات ذات الخلفيات الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل الدور المتزايد الذي لعبته التشكيلات العقائدية خلال الحرب. ويرى الكاتب والمحلل السياسي عثمان إبراهيم أن بعض التيارات الإسلامية استطاعت الاستفادة من ظروف الحرب لتعزيز حضورها داخل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، مستفيدة من شبكات نفوذ تشكلت خلال العقود السابقة. ويشير إلى أن هذه التحولات أثارت مخاوف لدى قطاعات سياسية ومدنية ترى أن استمرار هيمنة المجموعات العقائدية قد يعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
مراقبون: غياب الشخصيات العسكرية التي كانت تدعو إلى الحوار والتسوية ساهم في إضعاف فرص التوافق الوطني خلال مراحل مختلفة من الأزمة.
تراجع فرص الحل السياسي
ويعتقد مراقبون أن غياب الشخصيات العسكرية التي كانت تدعو إلى الحوار والتسوية ساهم في إضعاف فرص التوافق الوطني خلال مراحل مختلفة من الأزمة. فمع استمرار الحرب وتراجع نفوذ الأصوات المعتدلة، أصبحت المقاربات العسكرية أكثر حضوراً في إدارة الصراع، بينما تراجعت المبادرات التي كانت تدعو إلى حلول تفاوضية تنهي المواجهات وتفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة. ويقول الباحث في شؤون النزاعات الدكتور مأمون الطيب إن أي أزمة بهذا الحجم تحتاج إلى توازن بين الاعتبارات العسكرية والسياسية، محذراً من أن غياب هذا التوازن قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات السلام.
مخاوف على مستقبل المؤسسة العسكرية
ويثير هذا الواقع تساؤلات أوسع حول مستقبل المؤسسة العسكرية السودانية ودورها في مرحلة ما بعد الحرب. فخبراء الشأن السوداني يرون أن إعادة بناء جيش مهني وقومي ستكون واحدة من أبرز التحديات التي ستواجه أي عملية انتقال سياسي مقبلة، خاصة في ظل الاتهامات المتعلقة بتسييس المؤسسة العسكرية وتغلغل الولاءات الحزبية والأيديولوجية داخل بعض مفاصلها. ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية سيظل مرتبطاً بوجود مؤسسة عسكرية مهنية تعمل وفق الدستور والقانون، وتبتعد عن الاستقطابات السياسية والتنظيمية.
بين الحرب والسلام
ومع استمرار الصراع وتعثر الجهود السياسية، تتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب الأصوات الداعية للحلول السلمية إلى مزيد من التصعيد والاستقطاب داخل البلاد. ويرى مراقبون أن السودان يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة مساحات الحوار داخل مؤسساته السياسية والعسكرية، وإفساح المجال أمام الرؤى التي تضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية والأيديولوجية، باعتبار أن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة لن يتحققا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر توافق وطني واسع يعيد للسودانيين الأمل في مستقبل أكثر استقراراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.