كلما امتدت الحرب في السودان، اتضح أكثر أن الخسارة لا تقتصر على الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، بل تمتد إلى فكرة الدولة نفسها. فالسودان الذي خرجت جماهيره في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، يجد نفسه اليوم أمام خطر حقيقي يتمثل في تآكل مؤسسات الدولة، وتصاعد نفوذ القوى المسلحة، وتراجع المشروع الوطني الجامع أمام مشاريع الحرب والاستقطاب والانقسام.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على السلاح لم ينتج استقراراً، كما أن محاولات فرض الإرادة بالقوة لم تؤدِّ إلا إلى توسيع دائرة الصراع وتعميق معاناة المواطنين. وبينما تستمر المعارك في أكثر من منطقة، يدفع السودانيون الثمن من أمنهم ومستقبلهم وأحلامهم في بناء دولة ديمقراطية حديثة.
من هنا تبرز أهمية مواصلة العمل المشترك بين القوى الوطنية والمدنية المناهضة للحرب، باعتبارها الحاضنة الحقيقية لمشروع السلام والدولة المدنية. فهذه القوى، رغم ما واجهته من تحديات وانقسامات، ما تزال تمثل الأمل الأكبر في استكمال أهداف ثورة ديسمبر التي قامت أساساً من أجل إنهاء الاستبداد ورفض احتكار السلطة وبناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون.
إن التحدي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في وقف إطلاق النار، بل في حماية فكرة الدولة من الانهيار الكامل. فالحروب الطويلة لا تدمر المدن فقط، بل تضعف المؤسسات، وتفتح المجال أمام صعود الولاءات الضيقة والكيانات المسلحة والأجندات الأيديولوجية التي تسعى إلى توظيف الصراع لتحقيق مكاسب سياسية وتنظيمية على حساب المصلحة الوطنية.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو استمرار هيمنة الحسابات الأيديولوجية والعسكرية على القرار السياسي، في وقت يحتاج فيه السودان إلى رؤية وطنية شاملة تتجاوز الانتماءات الحزبية والفكرية الضيقة. فالدول لا تُبنى بالعقائد السياسية المتصارعة، وإنما تُبنى بالتوافق الوطني والمؤسسات المهنية والعدالة والمشاركة المتساوية بين المواطنين.
إن التجارب من حولنا تقدم دروساً قاسية. فحين تضعف الدولة وتعلو سلطة السلاح على سلطة القانون، يصبح الانقسام أمراً واقعاً، ويتحول الوطن إلى ساحات نفوذ متنازعة. ولهذا فإن التحذيرات من انزلاق السودان إلى واقع يشبه ما شهدته الصومال خلال فترات انهيار الدولة ليست مجرد مبالغات سياسية، بل تنبيهات تستند إلى مؤشرات خطيرة تتعلق بتفكك المؤسسات وتعدد مراكز القوة واستمرار الصراع المسلح.
لكن السودان ما يزال يمتلك فرصة لتجنب هذا المصير. هذه الفرصة تكمن في استعادة روح ديسمبر، ليس كشعار سياسي فحسب، بل كمشروع وطني جامع يؤمن بأن السودان يتسع للجميع، وأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى عبر الإقصاء أو الهيمنة أو العنف.
إن المطلوب اليوم هو توحيد جهود القوى المدنية والديمقراطية، وتعزيز التنسيق بينها، والعمل على بناء جبهة واسعة تدافع عن السلام والدولة المدنية ووحدة السودان. كما أن المطلوب هو إعادة الاعتبار للعمل السياسي السلمي باعتباره الوسيلة الوحيدة القادرة على معالجة الخلافات الوطنية دون تدمير البلاد.
لقد أثبتت الحرب أن المنتصر الحقيقي لا يوجد في ساحات القتال، لأن الجميع يخسر عندما تنهار الدولة. أما الانتصار الحقيقي فهو أن يتمكن السودانيون من وقف هذه المأساة، والجلوس معاً لصياغة مستقبل جديد يقوم على العدالة والمواطنة والحرية واحترام التنوع.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ طريق يقود إلى استمرار الحرب والتفتيت وتآكل الدولة، وطريق آخر يقود إلى السلام وإعادة البناء واستكمال مسار الثورة. ويبقى الأمل أن تنتصر إرادة الوطن على مشاريع الحرب، وأن يدرك الجميع أن الحفاظ على السودان أهم من أي مكاسب سياسية أو أيديولوجية عابرة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.