لماذا يُعد إشراك الحركة الإسلامية جريمة بحق السودان؟

نفيسة حجر

​لم تعد القضية في السودان مجرد خلاف سياسي يُحل عبر غرف المفاوضات المغلقة، أو كعكة سُلطة تتقاسمها النخب تحت مسمى “الواقعية السياسية”.
إننا أمام منعطف أخلاقي وتاريخي مفصلي فالمطالبة بإقصاء الحركة الإسلامية وواجهاتها المتعددة من أي عملية تفاوضية ترسم مستقبل البلاد ليست خياراً سياسياً يحتمل المناورة، بل هي ضرورة وجودية وشرط أساسي لضمان بقاء الدولة السودانية نفسها.
إن محاولة إعادة تسويق عناصر النظام البائد كـ “شريك في الحل” هي استخفاف صريح بالتضحيات، ومكافأة علنية للقاتل على حساب الضحية.
​إن القواعد الراسخة للعدالة الانتقالية تؤكد في جوهرها أن مكان من تلطخت أيديهم بدماء الشعوب هو منصات القضاء وأروقة المحاكم، وليس مقاعد صناعة القرار. على مدار ثلاثة عقود، أدارت هذه الحركة آلة قمع ممنهجة بداٌ من بيوت الأشباح السيئة السمعة التي شهدت أبشع فصول السادية والتعذيب، حيث اقتُلعت أظافر الأمير عبد الرحمن نقد الله بالزردية، ودُق المسمار على نافوخ الدكتور علي فضل حتى قُتل، واغتيلت الطالبة التاية أبو عاقلة برصاص الغدر داخل الحرم الجامعي، وصولاً إلى جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ومجازر حرق القرى وقتل المتظاهرين السلميين في العاصمة والولايات.
​ولم يتوقف هذا النهج عند حدود القمع الجسدي والملاحقة الأمنية، بل امتد ليعيث خراباً شاملاً في بنية الدولة السودانية وجسدها الاقتصادي والاجتماعي. لقد تسببت الحركة الإسلامية في دمار ممنهج ومدروس طال كافة مؤسسات الخدمة المدنية عبر سياسات “الصالح العام” التي أفرغت الدولة من كفاءاتها الوطنية لصالح الولاءات الحزبية الضيقة.
هذا التمكين الأعمى قاد إلى انهيار المشاريع الإنتاجية التاريخية، وخصخصة مقدرات الشعب، وتدمير النظم التعليمية والصحية لترتفع معدلات الفقر والجهل، فضلاً عن تمزيق النسيج الاجتماعي وإذكاء خطابات الكراهية والقبلية لضمان البقاء في السلطة، مما جعل من إرثهم حقبة من الدمار والخراب الشامل الذي لا تزال البلاد تئن تحت وطأته.
​ولم يكتفِ هذا التيار بتدمير النسيج الاجتماعي طوال ثلاثين عاماً، بل تشير الوقائع الموثقة إلى دور واجهاته الأمنية والعسكرية في إشعال حرب الخامس عشر من أبريل تدميراً للوطن وتأجيجاً للصراع. لقد اختاروا بوعي كامل إحراق البلاد بأكملها، وتشريد الملايين، وتدمير البنية التحتية، فقط لتقويض حلم التحول المدني الديمقراطي والعودة إلى السلطة فوق جثث المواطنين.
​ومن هنا، يستحيل بناء دولة قانون مستقرة بوجود تيار عقائدي يرى في مؤسسات الدولة وعلى رأسها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مجرد إقطاعية خاصة ومحطّة للتمكين الحزبي.
إن الجلوس مع هذه الواجهات في تفاوض يعني منحهم الفرصة لتحصين أنفسهم من الملاحقة القضائية، وحماية كارتيلاتهم الاقتصادية الفاسدة، والاستمرار في تسييس العقيدة العسكرية للجيش.
إن إصلاح القطاع الأمني والعسكري وبناء جيش مهني وقومي واحد وهو المطلب الأساسي لإيقاف دوامة الحروب في السودان ويستحيل أن يتحقق ذلك طالما أن هناك طرفاً داخل التفاوض يقاتل من أجل بقاء خلاياه التنظيمية داخل أجهزة الدولة.
​وتُحاول بعض الأطراف الدولية والإقليمية الضغط باتجاه تسوية شاملة لا تقصي أحداً، تحت لافتة “الواقعية”. لكن التجربة السودانية المريرة أثبتت أن هذه الواقعية المزعومة ليست سوى وصفة مجربة لإنتاج حروب جديدة.
وهنا يظهر ​الدرس التاريخي الحاسم لأنصاف الحلول، وسياسة المحاصصة المقنّعة، وعقد الصفقات مع قوى الردة لضمان “الهبوط الناعم” هي التي قادت البلاد إلى هذه الهاوية.
ان إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه مستعارة لن يقود إلى الاستقرار، بل سيعطي الضوء الأخضر لكل مغامر سياسي باستخدام السلاح كوسيلة وحيدة لفرض شروطه على الشعب.
​آخر قولي:
لا مساومة على دماء الشهداء وحقوق الضحايا
​إن مستقبل السودان يجب أن يُصاغ بأيدي القوى الحية التي تؤمن حقيقةً بالدولة المدنية، والمواطنة بلا تمييز، وسيادة حكم القانون. إن أي مفاوضات تقبل بجلوس واجهات الحركة الإسلامية ستحول السلام إلى مجرد “هدنة مؤقتة” تتقاسم فيها النخب الغنائم. السلام الحقيقي والمستدام ليس استسلاماً للأمر الواقع، بل هو الانتصار لقيم العدالة، ومحاسبة المجرمين، وتأسيس دولة جديدة تتسع لجميع السودانيين على أسس الحرية والكرامة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.