انتهازية الإخوان في زمن الحرب: خطاب مزدوج ومواقف مرتبكة

حسن خليل

اتجهت مواقف جماعة الإخوان المسلمين خلال موجة التصعيد الإقليمي الأخيرة نحو تبنّي خطاب مال إلى دعم إيران في مواجهة الضربات العسكرية التي تعرضت لها، في مقابل غياب مواقف حاسمة تجاه الهجمات الإيرانية التي طالت بعض دول الخليج. وجاء ذلك ضمن سياق متشابك من الاعتبارات الإيديولوجية والسياسية الممتدة عبر عقود، التي انعكست بوضوح على طبيعة التموضع الإقليمي للجماعة وتفرعاتها.
وكشفت متابعة البيانات الصادرة عن كيانات مرتبطة بالتنظيم، وفي مقدمتها الفصائل الفلسطينية المنخرطة في الصراع، عن إدانة صريحة للضربات الأمريكية والإسرائيلية، مصحوبة بخطاب تضامني مع إيران، حيث جرى توصيف تلك الضربات باعتبارها اعتداءً على دولة إقليمية، مع إبراز دورها في دعم القضية الفلسطينية. وتزامن ذلك مع تطورات ميدانية متسارعة شملت تبادل ضربات عسكرية وتحركات دبلوماسية متوازية، وهو ما زاد من حساسية المشهد.
إدانة انتقائية
في المقابل، لم يظهر خطاب موازٍ بالحدة نفسها تجاه الهجمات التي استهدفت دولًا خليجية، رغم تزايد وتيرتها، ممّا عكس نمطًا واضحًا من الانتقائية في الخطاب السياسي، حيث جرى التركيز على زاوية محددة دون أخرى ضمن السياق ذاته. وقد تزامن ذلك مع نشاط ملحوظ على منصات التواصل الاجتماعي، عبّر خلاله بعض المحسوبين على التيار عن مواقف منسجمة مع هذا التوجه.
ارتبط هذا المسار بسياق فكري أوسع نتج عن تفاعلات تاريخية بين التيارات الإسلامية السنّية والشيعية، حيث شهدت مراحل سابقة تأثرًا متبادلًا على مستوى الأفكار، خاصة في ما يتعلق بقضايا السلطة والدور القيادي. وانعكس ذلك في وجود مفاهيم متقاربة، مثل مركزية القيادة وتوجيه المجالين الديني والسياسي، وهو ما أتاح أرضية فكرية مرنة لبناء علاقات سياسية رغم التباينات المذهبية.
أظهرت علاقة الإخوان مع الدول عمومًا، بما فيها دول الخليج، طابعًا براغماتيًا متغيرًا، إذ تبدلت المواقف وفقًا لمعادلات المصالح والظروف السياسية. وشهدت هذه العلاقة تحولات متعددة، انتقلت بين التقارب والتباعد، وصولًا إلى مرحلة اتسمت بميول أوضح نحو دعم إيران في بعض الخطابات خلال التصعيد.
برزت هذه البراغماتية أيضًا في مواقف فردية عبر الفضاء الرقمي، حيث عبّر بعض المنتسبين أو المتعاطفين مع الإخوان عن دعمهم لإيران رغم وجودهم داخل بيئات خليجية، وهو ما أثار تفاعلات رسمية ومجتمعية، ووصل في بعض الحالات إلى إجراءات قانونية، في ظل حساسية الملف إقليميًا.
لم يكن هذا السلوك جديدًا، بل عكس تكرارًا لأنماط سابقة خلال أزمات إقليمية، حيث جرى إعادة ترتيب الأولويات وفق اعتبارات إيديولوجية وسياسية. وظهر ذلك في كيفية التعاطي مع التطورات، خاصة مع ترجيح كفة العلاقة مع طهران على حساب توازنات سابقة.
ارتباك داخلي وغياب موقف موحد
رغم هذا الاتجاه، لم يحظَ التوجه بإجماع داخلي، إذ وُجدت تيارات أخرى رفضت التقارب مع إيران استنادًا إلى اعتبارات مذهبية وسياسية، ورأت فيه تعارضًا مع مصالح أوسع، ممّا كشف عن تعددية داخلية وغياب موقف موحد، وهو ما ميز موقف الإخوان في سوريا والكويت على وجه الخصوص.
تزامن ذلك مع تحولات أوسع شهدها التنظيم، خاصة مع تراجع حضوره في عدد من الدول العربية، دفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته والبحث عن تحالفات جديدة أو تفعيل قنوات قائمة. وأسهمت هذه التحولات في تقليص قدرته على التأثير والحشد، وانعكست على انتشار خطابه.
في المقابل، فتح هذا التراجع مسارات أخرى على مستوى الأفراد، حيث أشارت تقديرات إلى احتمال توجه بعض العناصر نحو خيارات أكثر تشددًا أو الانخراط في أطر تنظيمية بديلة، في ظل غياب الأطر التقليدية.
في المجمل، عكست مواقف الجماعة خلال التصعيد الأخير تداخلًا بين الأبعاد الإيديولوجية والحسابات البراغماتية، وظهر ذلك في التباين بين دعم إيران في مواجهة الضربات الخارجية، مقابل الغموض أو الصمت تجاه هجمات استهدفت أطرافًا أخرى في الإقليم. وكشف هذا التباين عن نمط خطابي مزدوج، عزز الانطباع بانتقائية المواقف وتبدلها وفقًا لمقتضيات الظرف السياسي.

* صحفي مصري

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.