لم يعد ما يدور داخل المؤسسة العسكرية السودانية قابلًا للتغطية بلغةٍ دبلوماسية أو مواربةٍ سياسية. فالأمر، ببساطةٍ جارحة، لم يعد صراعًا على السلطة فحسب، بل على تعريف من يملكها أصلًا: من يقاتل أم من يقرر؟
في المجالس المغلقة، وفي أحاديث الضباط التي لم تعد تخشى التسريب، يُطرح السؤال بلا زينة: هل ما تزال “أورطة الشايقية” قادرة على حكم جيشٍ لم تعد تُشكّل عموده الفقري؟ أم أن “البندقجية” — أولئك الذين يحملون عبء القتال من البقارة والنوبة وسواهم — بدأوا يرون أنفسهم أكثر من مجرد أدواتٍ في معركة لا يملكون قرارها؟
ومن هنا تُفهم استعانة البرهان بشخصيات مثل موسى هلال، ثم لاحقًا النور قبة؛ ليس باعتبارها تحالفات ضد “الدعم السريع” كما قد يُروّج، بل كجزءٍ من إعادة تموضع تستهدف — في جوهرها — موازنة صعود قوى “الزرقة”، الزغاوة خاصة. هكذا تُدار المعركة في المخيال: ليس بين دولة ومليشيا، بل بين مخاوف متبادلة، لكل طرفٍ فيها ذاكرته المثقلة وسرديته الخاصة.
ويخشى الأهالي في نهر النيل، وفق المظاهرات والمناشدات التي شهدتها الولاية مؤخرًا، من تمدد “القوات المشتركة” نحو العمق وما قد يرافق ذلك من استباحاتٍ متوقعة، وهو خوفٌ يتغذى على ذاكرة دارفور الدامية، حيث أُحرقت قرى الفور والمساليت والزغاوة وشُرّد أهلها بإمرة وإشراف وتخطيط الضباط الشماليين، لتظل المقارنة حاضرة كمرآةٍ قاسية تُعيد تشكيل الخوف وتعمل على إعادة توجيهه.
لكن، في خضم هذا كله، يغيب عن كثيرين أن المؤسسة العسكرية نفسها، التي يُفترض أن تُدير هذه التوازنات، تعيش ذات التصدع الذي تراهن عليه خارجها. فداخلها، لا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لرؤية خطوط الانقسام: قيادة عليا تشكّلت تاريخيًا من نسيجٍ معروف — ما يسميه الناس بلا مواربة “أورطة الشايقية”، بما تحمله من رمزية المركز النيلي وشبكاته — وفي المقابل، قاعدة عسكرية عريضة، يتوزع جنودها بين “أورطة البقارة” و“أورطة النوبة”، حيث تشكّلت الخبرة القتالية بعيدًا عن مراكز القرار، وفي تماس مباشر مع الحروب وأثقالها.
هذا ليس توصيفًا إثنوغرافيًا بريئًا، بل واقعٌ يُنتج تصوراتٍ متباينة للمصلحة والبقاء. فالقيادة ترى الدولة من أعلى، كتركيبة يجب الحفاظ عليها، حتى لو تطلب الأمر تحالفات انتقائية ومناورات حادة. أما الجندي، القادم من الهامش، فيرى الدولة من موقعٍ آخر: موقع من قاتل، وخسر، ويريد نصيبًا واضحًا لا مجرد وعود.
بهذا المعنى، لا يعود الجيش أداة لضبط الانقسام، بل يتحول إلى ساحةٍ يتجسد فيها الانقسام بأوضح صوره: رأسيًا بين قيادةٍ وجنود، وأفقيًا بين جنودٍ يتنازعهم الاستقطاب.
والمفارقة المريرة أن النخب الشمالية، التي يفترض أن ترى هذا الخطر بوضوح، لا تزال — في كثير من الأحيان — تراهن على التماسك الشكلي، وعلى خطابٍ مصقول يُخدّر أكثر مما يفسّر، كأن يزعم القائد العام أن ياسر العطا قد تم اختياره على أسس مهنية، كأنما الزمن لا يفضح التصنّع، أو كأن الشعوب لم تعد ترى ما يجري.
لكن الواقع أبسط وأقسى: *لا يمكن لمؤسسةٍ خائفة من داخلها أن تنتج استقرارًا خارجها*. وهنا يبرز السؤال، لا كشعارٍ بل كضرورة وجودية: كيف يمكن إعادة بناء قيادة وطنية جامعة داخل مؤسسة عسكرية أنهكتها الانقسامات، بل وأخافتها التوترات؟
الإجابة لا تكمن في إعادة توزيع الولاءات، ولا في استدعاء تحالفات ظرفية، ولا في تجميل الخطاب. بل تبدأ من كسر هذا البناء غير المتوازن: من *الاعتراف الصريح بأن “أورطة الشايقية” لا يمكن أن تظل مركز القرار وحدها*، وأن “أورطة البقارة” و“أورطة النوبة” ليست مجرد وقودٍ للحروب، بل شركاء في تعريف الدولة نفسها.
بغير ذلك، ستظل *كل تسوية هدنة مؤقتة، وكل تحالف خطوةً مؤجلة نحو انفجارٍ أكبر*. أما القيادة الوطنية الجامعة، فهي لا تُبنى بالخوف، ولا بإدارة الهواجس، بل بإعادة تعريف من يملك الحق في القرار، ومن يُضحّي، ولماذا. وذلك سؤال، إن لم يُطرح بصدق الآن، فسيُطرح لاحقًا… ولكن بثمنٍ أفدح.
April 15, 2026
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.