اطلعتُ في هذه الأيام على سيلٍ من تسجيلات الكراهية العرقية المتقابلة؛ كلٌّ منها ينفي الآخر داخل وطنٍ واحد.
لم أشعر بالدهشة بقدر ما شعرتُ بأننا نحصد ما زُرع طويلًا في وعينا.
فالكراهية في السودان لم تولد فجأة مع الحرب، بل صُنعت بهدوء داخل خطابٍ رسمي وثقافةٍ يومية، حتى صارت اليوم لغةً عامة تُتداول كما تُتداول الأخبار.
على امتداد سنوات حكم الكيزان، لم يكن العنف مجرد أداة، بل تحوّل إلى رؤيةٍ للعالم.
أُعيد تشكيل الوعي العام على ثنائية الإقصاء: من يشبهنا ومن لا يشبهنا، من يستحق ومن لا يستحق.
لم تُقمع الحريات السياسية فحسب، بل جرى العبث عميقًا بالبنية الثقافية: تهميش لغات، تزييف تاريخ، وصناعة هويةٍ أحادية بالقوة، دون أدنى اعتبار للتنوع الثقافي والإثني الذي يذخر به الوطن—وكأن السودان صفحةٌ بيضاء يمكن محوها وإعادة كتابتها.
لم يكن الإعلام وسيطًا للحقيقة، بل مصنعًا لإعادة إنتاجها وفق الحاجة، حتى غدت مفردات الحرب مألوفة، بل ومُحتفى بها.
وكما قال هيغل: “الإنسان لا يكون إنسانًا إلا بما يصنعه من نفسه”، لكننا كنا نصنع أنفسنا على صورة الخوف والكراهية والإقصاء.
لم تكن المليشيات مجرد أدواتٍ أمنية، بل تعبيرًا صريحًا عن تفكيك الدولة إلى ولاءاتٍ أولية، حيث يُعاد تعريف المواطن لا بصفته مواطنًا، بل تابعًا لهويةٍ ضيقة.
وهكذا انفتح الباب لعنفٍ لا ينتهي، عنفٍ يُنتج عنفًا مضادًا، في دائرةٍ مغلقة لا تكفّ عن الدوران.
الحرب الحالية ليست سوى الذروة المأساوية لهذا المسار: حين يفشل الخيال الوطني، تنتصر الغريزة.
العنصرية، في جوهرها، وهمٌ متضخم بالتفوّق، قديمٌ بقدم الإنسان.
لكن خطورته تكمن في قدرته على التخفّي داخل تفاصيل الحياة اليومية: في الأمثال، في النكات، في ما يُقال همسًا أكثر مما يُقال علنًا.
وهنا تبدو دقة ملاحظة فرانسيس دينق حين أشار إلى أن ما لا يُقال هو ما يفرقنا حقًا.
لأن الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤٌ ناعم مع الفكرة.
ومع الزمن، تتحول هذه الشظايا الصغيرة إلى بنيةٍ صلبة من التمييز.
حاولت الأديان، في جوهرها الأخلاقي، أن تُهذّب هذا النزوع، وأن تُعيد الإنسان إلى بساطته الأولى: إنسانًا قبل أي شيء.
كما حاولت الدول الحديثة، عبر القانون والعقل، أن تُقيّد هذا الوحش.
لكن حين تُختطف الدولة نفسها، وتُسخَّر القوانين لخدمة التمييز بدل مقاومته، يصبح الظلم مؤسسيًا، وتتحول الكراهية إلى سياسة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يبحث بعض السودانيين عن الخلاص خارج هذا الإطار، حين فُصّلت الوطنية في الشمال على مقاس نخبه، ففضّل المواطن الجنوبي الانفصال على وحدةٍ قسرية.
وكما قال فرانز فانون: “الجوع مع الكرامة أفضل من الخبز مع العبودية”.
إنها جملة تختصر مأساة وطنٍ عجز عن أن يكون بيتًا للجميع، فصار ساحةً يُفرّ منها بحثًا عن الحد الأدنى من الاعتراف.
حتى النخب الفكرية، التي حاولت تفكيك الأزمة، وقعت أحيانًا في الفخ ذاته: أعادت إنتاج الانقسام بلغةٍ مختلفة.
قسّمت البلاد إلى مركزٍ وهامش، إلى عربٍ وأفارقة، إلى غابةٍ وصحراء، دون أن تُجيب عن السؤال الأهم: ما الذي يجعلنا “نحن”؟
هل هو الدين؟ اللغة؟ التاريخ والأرض ؟ أم مجرد العيش المشترك؟
ظل هذا السؤال معلقًا لأننا لم نجرؤ على مواجهته بصدق، ولم نحسن تحويل التنوع من لعنةٍ متخيلة إلى فرصةٍ حقيقية.
في قلب الحرب اليوم، يتكشف كل شيء بوضوحٍ قاسٍ: مدن تُحرق، قرى تُفرغ، والناس يُعاد تعريفهم وفق هوياتٍ قاتلة.
هنا لا تعود العنصرية فكرة، بل رصاصة.
لا تعود الكراهية خطابًا، بل جثة.
وكأننا نعيش ما حذّرت منه حنة آرنت حين تحدثت عن “تفاهة الشر”: ذلك الشر الذي لا يحتاج إلى وحوش، بل يكفيه أناس عاديون توقفوا عن التفكير.
الحقيقة التي نهرب منها أن هذا المرض لا يخدم إلا السلطة—أي سلطة غير شرعية—حين تريد البقاء، لأنه يمزّق المجتمع إلى أجزاءٍ صغيرة يسهل التحكم بها.
لكن حين يخرج عن السيطرة، كما يحدث الآن، فإنه لا يوفّر أحدًا.
الكراهية لا تُدار… بل تنفجر.
ليس أمامنا إلا مواجهة المرآة دون مساحيق: أن نعترف بأننا لم نفشل سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا.
أن نعيد تعريف السودان لا كهويةٍ مغلقة، بل كمساحةٍ مفتوحة تتسع للجميع، تستوعب تنوعه التاريخي والمعاصر ان نكون اولا سودانيين و ان نكفّ عن البحث عن “نقاءٍ” وهمي خارجي لا وجود له، وأن نبدأ في بناء عدالةٍ حقيقية تعترف بالاختلاف بدل أن تخشاه.
وإلا سنبقى ندور في الحلقة نفسها: نُنتج الكراهية، ثم نخاف منها، ثم نعود لإنتاجها من جديد.
وفي كل دورة، يخسر الوطن جزءًا من نفسه… حتى يأتي يوم لا يبقى فيه وطن أصلًا، بل مجرد ذاكرة عن مكانٍ كان يمكن أن يكون !!.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.