Sudanese army chief Abdel Fattah al-Burhan visits the Flamingo Marine Base in Port Sudan on August 28, 2023. The war between Burhan and his former deputy Mohamed Hamdan Daglo, who commands the paramilitary Rapid Support Forces (RSF), has raged since April 15, spreading from Khartoum and Darfur to Kordofan and Jazira state, killing thousands and forcing millions to flee their homes. (Photo by AFP) (Photo by -/AFP via Getty Images)

من حامي الدولة إلى مشعل للحروب والصراعات أسئلة مؤجلة حول عقيدة الجيش السوداني

بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، لم يعد النقاش حول طبيعة الصراع في السودان مقتصرًا على موازين القوى العسكرية أو التحالفات الميدانية، بل امتد ليشمل سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة: ما الذي حدث لعقيدة الجيش السوداني؟ وهل لا يزال هذا الجيش يؤدي وظيفته كحامٍ للدولة، أم أنه أصبح جزءًا من معادلة صراع داخلي معقدة، تُستخدم فيها القوة ضد المدنيين بدلًا من حمايتهم؟

ظل الجيش لاعبًا مركزيًا في تعطيل التحول الديمقراطي، من خلال تدخلات متكررة في السلطة، وتحالفات متقلبة مع قوى سياسية متناقضة..

للإجابة على هذا السؤال، لا بد من قراءة تاريخية هادئة لتطور المؤسسة العسكرية في السودان. فمنذ نشأتها في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، لم تُبنَ هذه المؤسسة على أسس عقيدة قتالية وطنية خالصة، بقدر ما كانت جزءًا من منظومة وظيفية هدفها حماية السلطة القائمة ومصالحها. وبعد الاستقلال، ورثت الدولة الوطنية هذا التكوين دون إعادة صياغة جذرية، ما جعل الجيش يحتفظ بأدوار داخلية تتجاوز مهمته الأساسية في حماية الحدود والسيادة.

هذا الخلل البنيوي انعكس بوضوح في مسار الحياة السياسية السودانية، حيث ظل الجيش لاعبًا مركزيًا في تعطيل التحول الديمقراطي، من خلال تدخلات متكررة في السلطة، وتحالفات متقلبة مع قوى سياسية متناقضة. ففي فترات مختلفة، اقتربت المؤسسة العسكرية من تيارات يسارية، ثم ما لبثت أن تحالفت مع قوى يمينية، في نمط يعكس غياب الاستقلال المؤسسي، وتغليب منطق السلطة على منطق الدولة.

غير أن التحول الأكثر عمقًا وخطورة حدث خلال فترة حكم الحركة الإسلامية، حيث تعرضت المؤسسة العسكرية لعملية “أدلجة” ممنهجة. لم تعد المهنية وحدها معيارًا للترقي أو الالتحاق، بل أصبح الانتماء السياسي والولاء التنظيمي عاملين حاسمين في إعادة تشكيل بنية الجيش. وبهذا، انتقلت المؤسسة من كونها جهازًا قوميًا يفترض أن يمثل كل السودانيين، إلى كيان يتماهى بدرجات متفاوتة مع مشروع أيديولوجي محدد.

لم تكن نتائج هذا التحول نظرية أو معزولة، بل ظهرت بوضوح في طبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع. فقد شهدت مناطق النزاعات المسلحة، مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، أنماطًا من العنف الواسع، كما واجهت الاحتجاجات المدنية في المدن ردود فعل أمنية قاسية. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، تصاعدت الاتهامات بوقوع انتهاكات ضد المدنيين، ما أعاد إلى الواجهة سؤال المسؤولية: من يحمي المواطنين حين تصبح المؤسسة المفترض أن تحميهم طرفًا في النزاع؟

حماية المدنيين يجب أن تكون في صدارة أي تسوية سياسية قادمة، ليس فقط عبر الاتفاقات، بل من خلال إصلاح عميق وشامل للمؤسسة العسكرية، يعيد بناءها على أسس مهنية..

اليوم، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فاستمرار التداخل بين المؤسسة العسكرية وبعض التيارات السياسية لا يهدد فقط فرص إنهاء الحرب، بل يقوّض أيضًا أي إمكانية لبناء جيش مهني محايد، يخضع لسلطة مدنية ويعمل وفق عقيدة وطنية واضحة. إن إعادة تعريف دور الجيش ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة نفسها.

إن حماية المدنيين يجب أن تكون في صدارة أي تسوية سياسية قادمة، ليس فقط عبر الاتفاقات، بل من خلال إصلاح عميق وشامل للمؤسسة العسكرية، يعيد بناءها على أسس مهنية، ويُنهي استخدامها كأداة في الصراع السياسي. دون ذلك، سيظل السودان عالقًا في دائرة مفرغة من العنف، حيث تتآكل الدولة من الداخل، ويدفع المواطن الثمن الأكبر.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي دولة أن تستقر أو تتقدم بجيش منقسم على ذاته أو منحاز سياسيًا. الطريق إلى السلام في السودان يمر، بالضرورة، عبر إعادة بناء عقيدة عسكرية جديدة، تكون فيها البندقية في خدمة الوطن، لا في مواجهة أبنائه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.