في دارفور، لم تعد السماء ملاذاً آمناً، بل تحولت إلى مصدر خوف يومي، تحمل في صمتها طائرات مسيّرة لا تميّز بين طفل وامرأة، ولا بين بيت ومدرسة. هناك، تُزهق الأرواح بلا إنذار، وتُكتب فصول جديدة من المأساة السودانية بعيداً عن عدسات العالم، وكأن دماء أهل دارفور أقل قيمة، أو أن موتهم يمكن تبريره بصمت بارد.
تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف المدن والقرى في دارفور يكشف عن تحول خطير في طبيعة الحرب، حيث أصبحت التكنولوجيا أداة للقتل السريع، منخفض الكلفة، عالي التأثير، لكنها أيضاً عالية القسوة. الضربات لا تترك مجالاً للنجاة، وغالباً ما تصيب المدنيين في منازلهم أو أثناء محاولتهم البحث عن الماء أو الغذاء، في مشهد يعكس غياب أي اعتبار للقانون الإنساني.
الأطفال، الذين كان يجب أن يكونوا في مدارسهم، صاروا ضحايا لأصوات تحوم في السماء. النساء، اللواتي يحملن أعباء النزوح والجوع، أصبحن أهدافاً مباشرة في حرب لا تعترف ببراءة ولا تحترم ضعفاً. هذه ليست أضراراً جانبية، بل نتيجة طبيعية لحرب تُدار بلا ضوابط، وبلا مساءلة.
الأكثر إيلاماً من القتل نفسه، هو الصمت الذي يحيط به. صمت المجتمع الدولي، الذي يبدو وكأنه وجد مبرراً مريحاً لتجاهل ما يحدث، تحت ذريعة أن هذه المناطق تُعد “حواضن” لطرف من أطراف الصراع. وكأن الانتماء الجغرافي بات حكماً بالإعدام، وكأن المدنيين في دارفور فقدوا حقهم في الحماية لأنهم يعيشون في مناطق تُصنّف سياسياً.
هذا المنطق ليس فقط خطيراً، بل مدمّر لكل ما تبقى من قيم العدالة الدولية. فالقانون الإنساني لا يُطبّق انتقائياً، وحماية المدنيين لا يجب أن تخضع لحسابات سياسية. عندما يصبح الصمت هو الرد على قتل الأبرياء، فإن العالم لا يفقد فقط مصداقيته، بل يشارك – بصمته – في الجريمة.
دارفور اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل اختبار حقيقي لضمير العالم. وإذا كان المجتمع الدولي عاجزاً أو غير راغب في التحرك، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة لكل أطراف النزاع: يمكنكم الاستمرار، لا أحد يراقب، ولا أحد سيحاسب.
لكن الحقيقة التي لا يجب أن تُنسى، هي أن هذه الدماء لن تختفي، وهذه الجرائم لن تُمحى بالصمت. فكل طفل يُقتل، وكل أم تُفجع، هو شاهد على فشل جماعي، محلي ودولي، في حماية الإنسان.
ما يحدث في دارفور ليس قدراً، بل نتيجة لقرارات وصمت وتواطؤ. والسكوت عنه اليوم، يعني قبوله غداً. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بإلحاح: كم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن يقرر العالم أن دارفور تستحق الحياة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.