السودان ما بعد الحرب: معضلة «المسافة الواحدة» وضرورة البناء على الواقع المعاش
بقلم: عماد أبكر جدو
مع اقتراب أفق التغيير في السودان، وتصاعد الحديث عن ملامح «الحكومة المدنية» التي ستتولى زمام الأمور بعد إيقاف الحرب، تبرز إلى السطح فجوة عميقة بين الخطاب السياسي النظري لبعض القوى المدنية، وبين الواقع الإداري والتنفيذي المعاش على الأرض. إن الإصرار على “المسافة الواحدة” من طرفي الصراع –في محاولة لتعريف الحرب– بات يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه القوى على استيعاب التعقيدات التي تفرضها إدارة الدولة، خاصة حين يتم تجاهل المنجز الهيكلي الذي تحقق في مناطق سيطرة قوات التأسيس.
وهم “المسافة الواحدة”: تجاهل الحقائق الإدارية
تقع القوى المدنية التي تتبنى خطابًا نقديًا متساويًا تجاه “طرفي الصراع” في فخ التنميط، حيث تساوي بين إدارة بورتسودان –بما تحمله من إرث مثقل ببيروقراطية الحركة الإسلامية، وتسييس القضاء، واقتصاد الحرب المعتمد على الجباية– وبين الهياكل التي بدأت “قوات التأسيس” في تشييدها.
إن المراقب للمشهد يلحظ بونًا شاسعًا.
في مناطق سيطرة بورتسودان: يشتكي المواطن من فساد محمي بسلطة الدولة، وجهاز قضائي مؤدلج، وخدمات مدفوعة الأجر تثقل كاهل المواطن، مع تدهور في مستويات المعيشة.
وفي مناطق “قوات التأسيس”: تظهر مؤشرات استقرار نسبي في أسعار السلع الضرورية، مع محاولات جادة –حتى وإن كانت في بداياتها– لبناء جهاز شرطي فدرالي، وجهاز عدلي يسعى لترسيخ مفهوم الدولة بعيدًا عن أيديولوجيا “أبو طيرة” أو “كتائب الظل” وجهاز الأمن والاستخبارات.
إن الطرح السياسي الذي ينادي بتجاوز كافة القوى العسكرية والسياسية القائمة، والانتظار لحكومة مدنية تدعمها قوى إقليمية ودولية، يعد طرحًا محفوفًا بالمخاطر. من يظن أن المجتمع الدولي سيهبط بمؤسساته الشرطية والقضائية والخدمية ليغرسها في تربة سودانية خاوية، فهو واهم وحالم وغير واقعي.
إن التحديات الحقيقية تكمن في:
غياب البنية التحتية: الحكومة المدنية المنتظرة لا تملك جهازًا شرطيًا مهنيًا أو جهازًا قضائيًا مستقلًا على أرض الواقع.
خطر الفوضى: إن تجاهل الهياكل الموجودة (كجهاز القضاء والشرطة الفدرالية التي تعمل على بنائها قوى التأسيس» يفتح الباب أمام انهيار كامل لمنظومة الخدمات، مما يعني أن الفترة الانتقالية قد تتحول من “فترة بناء” إلى “فترة صراعات”.
خارطة طريق: ميثاق التأسيس كقاعدة انطلاق
إن المسؤولية الوطنية تقتضي التخلي عن العواطف السياسية والاعتراف بالواقع التراكمي. إن القوى المدنية التي تطمح لقيادة البلاد يجب أن تدرك أن الانخراط مع “المكون المحلي” ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية.
الاستدامة والشفافية: إن البناء على ميثاق ودستور تأسيس 2025 يمكن أن يشكل النواة الصلبة لعملية انتقال ديمقراطي حقيقي، بشرط أن يكون الهدف هو الشمول والشفافية، لا “الإقصاء” أو تصفية الحسابات.
نحو مستقبلٍ خالٍ من اقتصاد الحرب
إن جوهر التغيير الذي ينشده الشعب السوداني لا يكمن في استبدال سلطة بأخرى، بل في استئصال جذور الحركة الإسلامية التي استمدت مشروعيتها من استمرار الصراع. إن أي حكومة مدنية قادمة يجب أن تضع أمامها هدفين لا ثالث لهما:
أولًا: تفكيك بنية الدولة الموازية، مثل كتائب الظل والتنظيمات التي تقتات على الحرب.
ثانيًا: تبني المؤسسات التي أثبتت كفاءة في توفير الخدمة للمواطن، وتطويرها لتكون مؤسسات وطنية جامعة بدلًا من نبذها. وهذه المؤسسات –دون تحيز– نجدها في طرف حكومة التأسيس.
إن فترة ما بعد الحرب يجب أن تكون “فترة بناء” لا “فترة تفجير صراعات”. وما دام هناك من يقف من القوى السياسية ضد استئصال الحركة الإسلامية وأعوانها، فإن الانفجار سيكون من الأمور الحتمية.
إن استيعاب القوى المدنية لواقع التباين بين مناطق سيطرة الجيش ومناطق التأسيس، والاعتراف بضرورة البناء على ما هو قائم بدلًا من تدميره، هو الضمان الوحيد للوصول إلى انتخابات حرة، ودستور يعبر عن تطلعات كل السودانيين، بعيدًا عن وهم “الحلول الجاهزة” من الخارج.
السؤال الجوهري:
في ظل انقسام المشهد الإداري الحالي، كيف يمكن للقوى المدنية إيجاد صيغة توافقية تدمج الهياكل الناشئة (في مناطق التأسيس) مع المتطلبات الدولية لشرعية الحكم، دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج السلطوية التي ثار عليها الشعب؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.