تُعدّ رواية “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي ورواية “1984” لجورج أورويل من أبرز النماذج الأدبية التي رصدت آليات السلطة الشمولية ومنطق إخضاع الإنسان وتطويع وعيه. وعلى الرغم من أنهما أُنجزتا في ظرف غربي خاص، فإن أطرهما التحليلية تتجاوز حدودها الزمانية والمكانية لتصلح مداخل نقدية فاعلة لفهم تجارب استبدادية في ظروف مغايرة، ومن أبرزها تجربة النظام الإسلامي في السودان الذي أسسه انقلاب الثلاثين من يونيو 1989. غير أن التعامل مع هذه التجربة يستلزم حذراً منهجياً؛ إذ إن الإسقاط الأدبي المباشر لا يُعوِّض عن التحليل البنيوي الدقيق، فما جرى في السودان لم يكن ديستوبيا مكتملة بالمعنى الأورويلي أو الهكسلوي، بل كان يوتوبيا أيديولوجية فاشلة تحوّلت تدريجياً إلى سلطوية هجينة وظّفت أدوات الروايتين معاً دون أن تبلغ كمال أيٍّ منهما.
إن البدء في تحليل هذه التجربة يفرض العودة إلى لحظتها التأسيسية؛ فكل ديستوبيا في التاريخ هي في الأصل يوتوبيا أجهضت أحلامها. لقد حمل انقلاب 1989 مشروعاً معيارياً صريحاً عُرف بـ”المشروع الحضاري الإسلامي”، وهو مشروع لم يبدأ كخطاب قمعي مجرد، بل كطرح شامل لإعادة بناء المجتمع والدولة وفق مرجعية أخلاقية دينية، وهو ما جذب قطاعات واسعة رأت فيه أفقاً للتغيير الجذري. إن إغفال هذه اللحظة يُفضي إلى تحليل ناقص، لأن السؤال الحقيقي يكمن في كيفية انزلاق تلك المدينة الفاضلة الموعودة نحو القمع، وتطورها عبر ثلاث مراحل زمنية متباينة:
في المرحلة الأولى الممتدة من 1989 إلى منتصف التسعينيات، كانت الأيديولوجيا هي المحرك الأساسي للسلطة. اخترقت الحركة الإسلامية مفاصل الجيش والقضاء والتعليم والاقتصاد بمنهجية مدروسة، وأعادت صياغة المناهج وبرامج التنشئة الوطنية وفق رؤيتها. وقد اعتمد النظام على زخم يوتوبي حقيقي في تعبئة أنصاره، إذ كانت السيطرة على الوعي جزءاً من مشروع بناء لا مجرد أداة إخضاع.
ثم جاء التحول النوعي الحاسم في المرحلة الثانية، من منتصف التسعينيات حتى عام 2005. مع تعمّق الأزمات الاقتصادية واستمرار الحرب الأهلية وتصدّع التحالف بين الترابي والبشير عام 1999 والذي انتهى بما بات يُعرف بالمفاصلة، بدأ الزخم الأيديولوجي يتراجع لصالح منطق الحفاظ على السلطة. أصبح الدين أقل تعبئةً وأكثر تبريراً: تبريراً للحرب، وتبريراً للقمع، وتبريراً للفشل الاقتصادي المزمن. وأخيراً، من 2005 حتى سقوط النظام في أبريل 2019، كانت مرحلة نظام يكافح للبقاء لا لتحقيق غاية؛ تفككت فيها الأيديولوجيا وتحولت إلى خطاب طقوسي أجوف، وأصبح القمع الأداة الأولى للاستمرار بعد أن جفّت موارد الشرعية.
وفي سياق المقارنة الأدبية، يظل الإطار الأورويلي صالحاً لتحليل الجانب القمعي، حيث سعى النظام السوداني لتمكين بنية حزبية تُلغي التعددية وتُعيد تعريف الولاء الوطني بوصفه التزاماً بالمشروع الإسلاموي حصراً، فغدا معارض الدولة في مرتبة الخارج عن الدين. وقد جسدت “بيوت الأشباح” – وهي أماكن الاحتجاز السري – مفهوم “جريمة الفكر” الأورويلية بأجلى صورها لكسر إرادة الأفراد. ومع ذلك، فإن التطابق مع نموذج أورويل يظل جزئياً؛ فبينما يفترض أورويل دولة بالغة القدرة المؤسسية، ظل المجتمع السوداني بتكويناته الصوفية والقبلية والمدنية مقاوماً للابتلاع الشامل، مما جعل السيطرة على الوعي متقطعة وغير بنيوية.
أما في ضوء نموذج هكسلي، فقد وُظف الدين في السودان كبديل وظيفي لعقار “السوما” المخدّر، لكن بآلية معكوسة. فبينما يعتمد هكسلي على وفرة الإشباع المادي لإلهاء الجماهير، كان النظام السوداني يدير الأزمات والفقر عبر تأجيل المعنى؛ فصُوِّرت المعاناة “ابتلاءً” والحرب “جهاداً”، ليعمل الدين هنا كـ “سوما معكوسة” لا تُسعد بالإشباع بل تُهدّئ بتأجيل المكافأة إلى أفق آخروي. وقد تعزز ذلك عبر “مراكز تكييف” مؤسسية تمثلت في المناهج التعليمية ومعسكرات التعبئة التي أنتجت فرداً مسبق الولاء، وكست الطبقية الاجتماعية برداء الاستحقاق الديني، إلا أن هذه الآلية تآكلت بمرور الوقت حين اصطدم الوعد الأخروي بمرارة الواقع الدنيوي وانكشاف الفساد.
لقد أنتج هذا التلاقي بين “غرفة 101″ الأورويلية و”السوما” الهكسلوية نظاماً هجيناً يجمع بين العنف المباشر والخطاب الذي يُفرغ الفرد من ملكته النقدية. غير أن هذا النظام لم يحقق كمال أي من النماذج الديستوبية بسبب ضعف الدولة المؤسسي وموروثها الهش، فنشأ نمط من الحكم يجمع بين الطموح الشمولي والواقع العاجز؛ نظام يعجز عن توفير الخدمات الأساسية لكنه يبرع في ملاحقة خصومه. وهذا التناقض هو ما عجّل بالنهاية في أبريل 2019، حين تشققت “سوما الدين” أمام الجوع والكرامة المنتهكة، وتحول الصمت المفروض إلى غضب جماعي أثبت أن الجسد الحي لا يُقاوَم إلى الأبد.
ختاماً، تكشف هذه القراءة أن التجربة الإسلامية في السودان لم تكن مجرد أزمة سلطة، بل كانت أزمة نموذج أيديولوجي فشل في التحقق يوتوبياً وفشل في الاستقرار ديستوبياً. إن الشرعية الدينية سلاح ذو حدين؛ تمنح السلطة طاقة تعبوية هائلة في البداية، لكنها تضعها أمام معايير أخلاقية صارمة، وحين ينكشف التناقض بين الادعاء والسلوك، لا يسقط النظام السياسي وحده، بل تتآكل معه الأداة الأيديولوجية التي استند إليها، وهو ما يمثل درساً بليغاً في فهم العلاقة المعقدة بين الأيديولوجيا والسلطة في العصر الحديث.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.