يمثل خروج النور القبة من الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش نقطة تحول لافتة في المشهدين السياسي والعسكري، ويكشف عن تعقيدات الصراع الدائر الآن، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الدولة والولاءات في السودان. المقالات التي تناولت الحادث تقدم تحليلات متباينة، لكنها تتفق على أن هذه الخطوة ليست مجرد حدث عسكري عابر، بل هي انعكاس لبنية صراع أعمق. وفي قراءة متأنية لسردية الخروج والاستقبال الصاخب، نجد أن صاحب العقل يتميز بالعظات والعبر المستخلصة من الواقع.
«السيادة المفخخة» وطبيعة الدولة الهشة:
“الدولة هنا ليست كياناً فوق القبيلة، بل هي القبيلة الأقوى… الدولة، لكي تحافظ على احتكار العنف، تستخدم العنف غير المحتكر.”
هذه العبارة تلخص ببراعة إحدى أهم العبر. الدولة السودانية، كما يصفها الكاتب “هبهان”، لا تعمل بمنطق الدولة الحديثة التي تحتكر العنف وتفرض سيادتها بقوة القانون والمؤسسات، بل هي كيان هش يعيد تدوير الميليشيات ويستوعب قادة الأمس ليصبحوا حلفاء اليوم. هذا يكشف عن أزمة عميقة في بناء الدولة الوطنية، حيث تطغى الولاءات القبلية والجغرافية والمصلحية على الولاء للدولة كفكرة مجردة.
براغماتية القوة وتفكيك الخصم:
“في منطق الحرب، كسب مقاتل خير من قتله، وكسب قائد مع جنوده يُعد انتصاراً تكتيكياً يعلو على القيم والأخلاق.”
وأن استيعاب القبة هو فعل سياسي براغماتي يهدف إلى كسب القوة وتفكيك الخصم القوي من الداخل. هذه العبرة تؤكد أن الأطراف المتحاربة في السودان تتبع منطق “الغاية تبرر الوسيلة” في سعيها لتحقيق النصر، بغض النظر عن التداعيات الأخلاقية أو الاستراتيجية طويلة الأمد.
تجدد الخيانة وتاريخ الصراع:
“الذي باع وطنه وخان بلاده مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص… وهذه سنة الحياة، أن يكون دائماً هنالك خائن محتمل في المجتمعات البشرية.”
يُذكّر صديقي والصحفي “إسماعيل عبدالله” بأن ظاهرة الخيانة ليست جديدة في تاريخ السودان، مستشهداً بأمثلة من خليل إبراهيم وداؤود يحيى بولاد وصدام حسين وعلي دينار. هذه العبرة تبرز أن الصراعات الداخلية غالباً ما تُستغل من قبل الأطراف الخارجية، وأن الولاءات يمكن أن تتغير بناءً على المصالح الشخصية أو القبلية، مما يستدعي يقظة مستمرة لسد الثغرات.
الصراع الوجودي والجذور التاريخية:
“الحرب تجاوزت عملياتها العسكرية من إحباط محاولة انقلابية إلى حرب وجودية شاملة.
ومن المؤكد أن الصراع في السودان تحول إلى حرب جهوية أهلية وجودية، متجاوزاً وصفها بأنها مجرد قمع تمرد، بل هو مستمد من جذور تاريخية عميقة منذ أيام الدولة المهدية، بما في ذلك صراع أولاد البحر وأولاد الغرب “الجلابة والغرابة”، ودور الدولة الكيزانية العميقة. والعبرة هنا هي أن تجاهل الجذور الحقيقية للصراع «التي تشمل قضايا التهميش وتوزيع الثروة والسلطة والهوية» سيؤدي إلى تكرار الحروب مستقبلاً، وأن الحلول السطحية لن تجدي نفعاً.
وحدة الهامش والتحدي للقبائل:
“الأمر الآن هو امتحان لعموم القبائل، وتلك التي تُسمى حواضن الدعم السريع، ونذكر هنا قبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها حميدتي والنور القبة… أليس من الأولى أن تكون الرزيقات أنموذجاً للوحدة والتعاضد، والسمو عن الصغائر إلى رحاب القضية التحررية الكبرى؟”
تناول الكاتب “أنقابو” نداءً لقبائل الهامش لتوحيد صفوفها وعدم الانجرار إلى صراعات داخلية تخدم أجندات المركز. العبرة هنا هي أن وعي المهمشين بوحدة قضيتهم وتجاوزهم للصراعات الداخلية هو السبيل الوحيد لتحقيق التحرير والتغيير المنشود، وإلا فإنهم سيظلون أدوات في يد من يستفيد من انقسامهم.
ونؤكد أن خروج النور القبة هو عرض لأزمة أعمق في السودان، تتعلق ببنية الدولة المختلة، وطبيعة الولاءات القبلية والجهوية، وجذور الصراع التاريخية منذ دولة الخليفة عبد الله التعايشي. كل ما سبق يبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء الدولة الجديدة على أسس العدالة والشمولية، وتفكيك منطق «السيادة المفخخة» الذي يعيد إنتاج العصبية القبلية والميليشيات. العبرة الكبرى هي أن النصر التكتيكي في استيعاب قائد قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية، إذا لم تتم معالجة الأسباب الجذرية التي تخلق هؤلاء القادة وتغذي الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.