السودان على حافة القرار الدولي … البرهان بين فكّ العزلة ومقصلة الحسم القادم

علاء خيراوي

زيارة عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية لم تكن رحلة بروتوكولية في جدول مزدحم، بل كانت، في جوهرها محاولة متأخرة لإعادة تموضع رجل أدرك أن الأرض التي يقف عليها بدأت تنزلق من تحت قدميه. هناك، في الرياض، لم يكن البرهان يفاوض على وقف حرب فقط، بل كان يفاوض على بقائه نفسه في معادلة تتغير بسرعة قاسية، مع عواصم لم تعد ترى فيه الحليف الضروري، بل الرجل الذي يجب ضبطه أو تجاوزه.

سبقت الزيارة سلسلة من التحركات داخل المؤسسة العسكرية لم تكن بريئة ولا عفوية. تغييرات في مواقع حساسة، إعادة توزيع للولاءات، ومحاولات لإعادة شدّ قبضة القيادة على جيش أنهكته الحرب واخترقته السياسة. لم يكن ذلك إصلاحاً عسكرياً بالمعنى المهني للكلمة، بل كان إعادة هندسة داخلية هدفها الأول تحصين السلطة من الانهيار، لا كسب الحرب في الميدان. وفي قلب هذه التحركات، برز ملف “البراء” كأحد أكثر الملفات حساسية. فبين الضغوط الدولية التي تربط بين هذه التشكيلات وسرديات الإرهاب، وبين الحاجة الداخلية لاستخدام كل قوة ممكنة في مواجهة الدعم السريع، وجد البرهان نفسه في معادلة مستحيلة. لم يستطع أن يقطع معها بشكل كامل، لأن ذلك يعني خسارة رافعة قتالية وعقائدية في لحظة حرجة، ولم يستطع أن يحتضنها علناً كما في السابق، لأن كلفة ذلك دولياً أصبحت باهظة. وهكذا، بدأنا نشهد سياسة مزدوجة؛ احتواء في الظل، وإبعاد في الخطاب، في محاولة لإرضاء الخارج دون تفكيك الداخل.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن هذه التحركات لم تكن نابعة من قوة، بل من ضغط. فالتعديلات العسكرية التي جرت، والتصريحات التي صدرت، وحتى الزيارات التي تكررت، كلها كانت تدور حول هدف واحد؛ كسب الوقت قبل أن تُغلق النوافذ الدولية، الوقت قبل أن تتحول الضغوط إلى قرارات، الوقت قبل أن يُعاد تعريف الرجل من قائد حرب إلى عقبة في طريق السلام. ولذلك، فإن ما قام به البرهان لا يمكن قراءته كاستراتيجية طويلة المدى، بل كاستجابة تكتيكية عاجلة لبيئة دولية لم تعد تمنحه هامش المناورة الذي كان يملكه في بداية الحرب.
إنها لحظة تتكثف فيها التناقضات؛ رجل يحاول أن يظهر بمظهر الدولة وهو يستند إلى شبكات أيديولوجية ترفضها تلك الدولة في الخارج، جيش يسعى لاستعادة تماسكه بينما تتآكله الاستقطابات، وسلطة تحاول أن تقنع العالم بأنها جزء من الحل بينما يُعاد رسمها في الخرائط الدولية كجزء من المشكلة. وفي هذا التوتر العنيف بين ما يُراد وما يمكن تحقيقه، تتشكل ملامح المرحلة القادمة، مرحلة لن يُحسم فيها مصير الحرب فقط، بل مصير من خاضوها أيضاً. فالطريق إلى لحظة الحسم في السياسة، لا تُقاس بما يُقال فيها، بل بما يُحضَّر لها في صمت.

منذ أن بدأت واشنطن تُعيد تعريف الملف السوداني، لم تعد الحرب هناك مجرد صراع داخلي بين جنرالين، بل تحولت إلى ساحة اختبار لإرادة دولية تتشكل ببطء، لكنها تمضي بثبات نحو إعادة هندسة السلطة في السودان. ومنذ ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥، حين طُرحت لأول مرة ملامح الخطة الرباعية التي ضمت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، والتي تحدثت عن هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تتبعها عملية سياسية تمتد لتسعة أشهر، كان واضحاً أن ما يُراد ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل إعادة ترتيب شاملة للملعب السياسي، تُقصي من تُصنّفهم هذه العواصم كجزء من الأزمة لا كجزء من الحل.

في ١٩ فبراير ٢٠٢٦، جاء خطاب مسعد بولس في مجلس الأمن الدولي ليؤكد أن الملف السوداني خرج من نطاق الإهمال الدولي إلى دائرة التعريف الأمني الصارم، حيث لم يعد الحديث يدور فقط حول كارثة إنسانية، بل حول مخاطر تهدد الاستقرار الإقليمي وسلامة البحر الأحمر. هذا التحول لم يكن لغوياً فحسب، بل كان إيذاناً ببدء مرحلة جديدة، تُستخدم فيها أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والقانوني لإجبار الأطراف على القبول بمسار محدد سلفاً. ولم تمضِ سوى أسابيع حتى أعلنت واشنطن في ٩ مارس ٢٠٢٦ تصنيف تيارات إسلامية سودانية ضمن قوائم الإرهاب، في خطوة بدت وكأنها تقطع الطريق مسبقاً أمام أي محاولة لإعادة إنتاج السلطة القديمة بثوب جديد.

ثم جاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦، حيث انعقد مؤتمر برلين حول السودان، في الذكرى الثالثة للحرب، ليس كمنصة سلام بقدر ما كان منصة فرز سياسي. هناك، لم تُدعَ الأطراف المسلحة لتقرير مصير البلاد، بل جرى التركيز على القوى المدنية، وعلى إعادة تشكيل خطاب دولي موحد حول ضرورة الانتقال المدني. في اليوم ذاته تقريباً، أعلنت الولايات المتحدة عن عقوبات جديدة ودعت إلى هدنة إنسانية فورية، في رسالة واضحة مفادها أن من يرفض هذا المسار لن يُترك له هامش مناورة مفتوح كما كان في السابق. وبعد أيام فقط، في ٢٠ أبريل ٢٠٢٦، ظهرت واحدة من أهم الإشارات غير المعلنة، حين كُشف عن تعطيل صفقة سلاح كبيرة للسودان بعد اعتراض سعودي، وهو ما يعني أن الرياض، التي كانت تُقرأ سابقاً كداعم ضمني لبعض مراكز القوة، بدأت تعيد التموضع لتتماهى مع الإيقاع الأمريكي الجديد.

في هذا السياق، لا يمكن فهم تحركات عبد الفتاح البرهان إلا بوصفها محاولة يائسة لشراء الوقت. فمنذ نهاية ٢٠٢٥، بدأ البرهان يعيد ترتيب تحالفاته الداخلية، ويُفسح المجال لعودة عناصر الإسلاميين إلى مفاصل التأثير، ليس لأنه يملك ترف الخيارات، بل لأنه يدرك أن المعركة لم تعد فقط مع الدعم السريع، بل مع مسار دولي يُراد له أن يُقصي هذا التيار بالكامل. ولذلك، فإن كل خطاباته التي تتحدث عن السيادة ورفض التدخل الخارجي ليست مجرد شعارات، بل انعكاس مباشر لإحساس متزايد بأن القرار يُسحب من يده تدريجياً.

أما القاهرة، التي استقبلت مسعد بولس في هذا الشهر ايضا، فقد لعبت دوراً أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. فهي من جهة شريك في الآلية الرباعية، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على توازن دقيق يمنع انهيار أو تفكك الجيش اللاعب الاكثر خدمة لمصالحها، خطابها ظل متمسكاً بوحدة السودان ورفض التدخلات، لكنه في الوقت ذاته لم يخرج عن الإطار العام الذي تقوده واشنطن. هذا التوازن هو ما يفسر لماذا بدت القاهرة حذرة في العلن، لكنها منخرطة بعمق في صناعة المسار.
أما الرياض، فقد اختارت أن تُعبّر عن موقفها بالفعل لا بالتصريح. تعطيل صفقة السلاح لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل رسالة استراتيجية بأن زمن تغذية الحرب قد انتهى، وأن من يريد الاستمرار فيها سيفعل ذلك دون غطاء إقليمي مريح. وهذا التحول يعكس إدراكاً سعودياً بأن استمرار النزاع يهدد أمن البحر الأحمر، ويضع المملكة في قلب معادلة استنزاف لا ترغب في الاستمرار فيها.

في المقابل، يواصل البرهان ومن ورائه الحركة الإسلامية القتال وكأن الزمن يعمل لصالحهم، بينما تشير كل المؤشرات إلى العكس. فكل يوم يمر دون قبول بمسار الهدنة والانتقال، يُراكم مبررات إضافية للتدخل الدولي، ويُقرب البلاد من لحظة قد تُفرض فيها الحلول من الخارج فرضاً. وهذا هو جوهر المأساة، إذ لم يعد الصراع يدور حول من ينتصر عسكرياً، بل حول من يُسمح له بالبقاء سياسياً. إن القراءة الدقيقة لما يجري تكشف أن السودان يقف الآن على أعتاب لحظة فاصلة. فإما أن يقبل الفاعلون المحليون بإعادة تشكيل السلطة وفق الشروط الدولية، وهو ما يعني نهاية فعلية لهيمنة النظيم الاسلامي المصنف ارهابياً على الدولة، أو يستمروا في المواجهة، وهو ما سيقود حتماً إلى تدويل أعمق قد يصل إلى إجراءات تحت مظلة مجلس الأمن الدولي. وفي كلتا الحالتين، فإن ما كان يُعرف بالسيادة الوطنية لم يعد مفهوماً ثابتاً، بل أصبح متغيراً خاضعاً لموازين القوة.

لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو من سيحكم السودان بعد هذه الحرب، بل كيف سيُعاد تعريف الدولة نفسها. فحين تتحول الأزمات الداخلية إلى ملفات أمن قومي دولي، فإن الدول لا تخرج من الحرب كما دخلتها، بل تُعاد صياغتها وفق إرادة من يملكون القدرة على الفعل. والسودان اليوم ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما يكون أحد أكثر نماذجها وضوحاً وقسوة. وفي ختام هذا المشهد الذي يختنق بالدخان وتتشكل ملامحه في غرف مغلقة أكثر مما تُرسم في ميادين القتال، فما ينتظر السودان ليس نهاية حرب بقدر ما هو بداية إعادة تشكيل قسرية للدولة نفسها. فكل المؤشرات، منذ خريف ٢٠٢٥ مروراً بربيع ٢٠٢٦، تقول إن القرار الدولي لم يعد يسأل؛ كيف نوقف الحرب؟ بل؛ من سيبقى بعد أن تتوقف؟

إن عبد الفتاح البرهان يقف اليوم على حافة زمن سياسي ينفد. ليس لأنه يخسر المعركة سياسياً، بل لأن قواعد اللعبة تغيرت حوله. وإذا استمر في الرهان على الاستنزاف، فإن السيناريو الأقرب ليس انتصاراً متأخراً، بل تجريده التدريجي من أدوات السلطة؛ عزلة سياسية، تضييق اقتصادي، وتآكل داخلي في بنية الجيش نفسه. وحين تبلغ هذه العملية ذروتها، لن يُطرح السؤال؛ هل يبقى البرهان؟ بل؛ كيف يُستبدل، وبأي صيغة تحفظ الحد الأدنى من تماسك المؤسسة العسكرية.

أما الحركة الإسلامية بكل تفرعاته التي عادت لتتنفس داخل مفاصل الدولة، فقد دخلت بالفعل في مواجهة مفتوحة مع النظام الدولي، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. وكل يوم يمرّ وهو متمسك بذات أدواته القديمة، يقرّبه خطوة من سيناريو أكثر قسوة؛ تصنيف أوسع، ملاحقات مالية وقانونية، وإقصاء سياسي كامل من أي ترتيبات انتقالية قادمة. التاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة لحظته، وهذا التيار يكرر اليوم أخطاءه بأدوات أقل وبيئة أشد عداءً.

اما الاحتمال الأكثر واقعية؛ أننا سوف نشهد خلال الأشهر القادمة أحد مسارين لا ثالث لهما؛ إما صفقة صامتة يُعاد فيها تموضع السلطة تحت ضغط خارجي كثيف، تُخرج الوجوه الأكثر إشكالية وتُبقي على هيكل دولة يمكن التفاوض معه؛ أو انفجار مضاد يرفض هذا المسار، فتتسع رقعة الحرب ويتحول السودان إلى مسرح مفتوح لتوازنات إقليمية ودولية متصارعة، وعندها لن يكون الحديث عن انتقال مدني بل عن إدارة أزمة طويلة الأمد من خارج الحدود، ربما تحت مظلة مجلس الأمن الدولي. لكن أخطر التوقعات جميعاً ليس ما سيحدث للسلطة، بل ما سيحدث للدولة نفسها. فحين تُدار الأزمات الكبرى بهذه الطريقة، يصبح خطر التفكك واقعاً لا احتمالاً، ويتحول البلد إلى جغرافيا قابلة لإعادة الرسم وفق مصالح الآخرين. وعندها، لن يكون السؤال؛ من يحكم الخرطوم؟ بل؛ هل تبقى الخرطوم مركزاً لدولة واحدة أصلاً؟

إنها لحظة الحقيقة بكل قسوتها. فإما أن يستعيد السودانيون زمام المبادرة برؤية مدنية واعية تُنهي الحرب وتمنع تدويل القرار أو أن يستمروا في الدوران داخل طاحونة لا ترحم، حيث تُحسم المصائر في العواصم البعيدة، ويُترك الداخل ليدفع الثمن. وفي السياسة، كما في التاريخ، هناك لحظات إن لم تُحسن الشعوب قراءتها… تتحول إلى قدر. والسودان الآن يقف أمام واحدة من تلك اللحظات

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.