بعد مرور أكثر من 1100 يوم من الحرب في السودان لم يعد الحديث عن الخسائر كافياً لوصف ما جرى. نحن أمام بلد تعرض لتدمير ممنهج، بنية تحتية منهارة اقتصاد يحتضر ومجتمع يتمزق على أسس سياسية وقبلية وجغرافية تهدد فكرة الدولة نفسها.
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما تراكم في ظل هذه الحرب: مليشيات تتكاثر وسلاح ينتشر بلا ضابط حتى أصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في استمرار الحرب بل في اليوم الذي تتوقف فيه، حيث لا دولة قادرة على احتكار القوة ولا مشروع واضح لنزع السلاح.
وسط هذا الخراب لا تبدو السلطة منشغلة بإنهاء الأزمة بقدر ما تبدو منشغلة بإعادة ترتيب مواقعها داخلها.
يتحرك الفريق البرهان بخطوات محسوبة لإعادة هندسة المشهد السياسي لكن ليس على أساس معالجة جذور الكارثة بل بما يضمن بقاءه في قلب السلطة ولو عبر إعادة إنتاج الأزمة نفسها في صيغة جديدة.
زيارة البرهان الى المملكة العربية السعودية لم تكن في جوهرها سوى محاولة لشراء الوقت والشرعية معاً، دعمٌ إن توفر أو على الأقل صمت إقليمي يتيح تمرير ترتيبات داخلية. غير أن الرهان على الخارج بهذه الطريقة يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الدول الإقليمية لا تمنح دعماً مجانياً بل تدير مصالحها وفق حسابات دقيقة لا مكان فيها للمغامرات غير المضمونة.
أما الحديث عن هندسة مستقبل السودان في سياق صراعات كبرى مثل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران فهو أقرب إلى التبرير منه إلى التحليل إذ لا يمكن اختزال مأساة السودان في انتظار نتائج صراعات الآخرين بينما أزمته الحقيقية تُصنع يومياً بأيدي فاعليه في الداخل.
في المقابل تعيش الحركة الإسلامية (الكيزان) حالة ارتباك حقيقي، فهي تدرك أن أي تسوية قد تقصيها أو تقلص نفوذها، لكن في الوقت نفسه عاجزة عن فرض رؤيتها بالكامل. هذا القلق لا ينبع فقط من غموض نوايا البرهان بل من إدراك متأخر بأن موازين القوة لم تعد كما كانت.
المؤشرات الحالية توحي بأن البرهان لا يسعى إلى تسوية تنهي الحرب بقدر ما يسعى إلى صفقة سياسية تعيد ترتيب التحالفات، كاستمالة بعض القوى المدنية، شق صف المعارضين والانفتاح على حركات دارفور المسلحة ضمن صيغة تتجاوز اتفاق جوبا للسلام وتفتح الباب لمسار جديد يُفصل على مقاس المرحلة أو على مقاس من يملك القوة فيها.
وربما يعتقد البرهان ان هذه الخطة والحبكة تصلح لعقد تسوية مع الدعم السريع وتكون مقبولة للمجتمع الدولي.
غير أن هذه “الهندسة” المحتملة تواجه عقبات حقيقية:
الحركة الإسلامية لن تقف متفرجة إذا شعرت بأن نفوذها يتآكل والقوى المدنية الرافضة للحرب لن تقبل بسهولة بإعادة تدوير السلطة تحت أي مسمى. وبين هذا وذاك يبقى خطر الانزلاق إلى تسوية هشة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، هو السيناريو الأكثر واقعية.
المشكلة ليست في غياب المبادرات بل في طبيعتها، مبادرات تبحث عن تقاسم السلطة قبل أن تعالج أسباب انهيار الدولة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد هل ستنجح هذه الترتيبات؟
بل هل يملك السودان رفاهية من الوقت ليتحمل فشلاً جديداً يضاف إلى هذا السجل الطويل من الأزمات؟.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.