تجاوز ثنائية النجاح والفشل
غالباً ما يُقيَّم الإسلام السياسي في السودان بمعيار “الحكم” التقليدي هل نجح في تطبيق الشريعة أم فشل اقتصادياً وأخلاقياً؟ إن هذه القراءة السطحية تغفل جوهر التجربة؛ فالإسلام السياسي السوداني لم يكن مجرد “حكومة”، بل كان “خطاباً” (Discourse) حيوياً ينطلق من النص الديني ليُنتج سلطة، ويعيد تشكيل الهوية، ويرتب الواقع الاجتماعي
إن الحركة الحقيقية كانت دوماً من النص إلى السلطة، حيث النص ليس مرجعاً فقهياً فحسب، بل أداة خطابية تُستدعى لتبرير الفعل السياسي وإسكات الخصوم
التحول البنيوي – مراحل الخطاب الأربع (نموذج الترابي)
لا يمكن فهم هذا الخطاب ككتلة صماء، بل كبنية تحول وظيفتها استجابةً لموقعها من القوة. ويمكن تقسيم خطاب العقل المدبر للحركة (حسن الترابي) إلى أربع مراحل بنيوية
مرحلة التكيف الأصولي (أواخر السبعينيات – 1985) تميزت بتأويل النصوص لتبرير التحالف مع نظام “نميري” العسكري، وشرعنة الدولة القمعية باسم الشريعة (قوانين سبتمبر 1983)
مرحلة السلطة الكلية والتمكين (1989 – 1999) بعد الانقلاب، هيمن خطاب “التوحيد التنظيمي” وإنتاج “العدو الداخلي”. هنا تحول الخطاب إلى أداة أمنية شاملة لإعادة إنتاج الهيمنة عبر المؤسسات الموازية
مرحلة المراجعة والهامشية (1999 – 2011) بعد “الانقلاب الأبيض” وإقصاء الترابي، تحول الخطاب نحو “التوبة والمراجعة” ونقد الدولة البوليسية، في محاولة لإعادة بناء شرعية شخصية بعيداً عن السلطة
مرحلة خطاب الظل (2019 – 2026) عقب سقوط النظام، استمر الخطاب كمرجعية رمزية للفصائل الإسلامية، واستُخدم في الحرب الحالية كغطاء للدفاع عن الدين في غياب مشروع سياسي واضح
آليات إنتاج المعنى – الثنائيات المتوترة
يكشف التحليل البنائي أن قوة هذا الخطاب تكمن في قدرته على إدارة “التناقضات” كآليات لإنتاج السلطة
التوحيد مقابل الإقصاء: كلما اشتد شعار “التوحيد السياسي”، زاد الإقصاء التلقائي لكل من لا يدخل في “الأمة التوحيدية” (العلماني، المسيحي، المختلف عرقياً)
المرونة مقابل التمكين و استُخدمت مرونة التأويل النصي لتبرير المتناقضات (الديمقراطية تارة والانقلاب تارة أخرى)، لكنها كانت دوماً تصب في مصلحة مركزية السلطة في يد “النخبة الواعية”
البنية المزدوجة (علني/سري) بينما كان الخطاب العلني يتحدث عن “الشورى”، كان الخطاب المؤسسي السري (وثائق التأمين، تقارير الأمن الشعبي) يفرض طاعة الأمير والتصفية الجسدية للمعارضين
البنية الاقتصادية-الاجتماعية للخطاب
لم يكن الخطاب طافياً في الفراغ، بل ارتبط عضوياً بـالبرجوازية الصاعدة وفر أيديولوجيا تجمع بين الأصالة الإسلامية والانفتاح الرأسمالي لتجار الشمال وضباط النفط
الهيمنة الجغرافية أعطى غطاءً دينياً لتمكين “أبناء الوسط” على حساب الأطراف (دارفور، الجنوب سابقاً)، مما جعل “الجهاد” أداة لإعادة توزيع الثروة والسلطة
صناعة “الآخر” برع الخطاب في تصنيع خصوم خطابيين (اليساري، الغرب “الصليبي”) لتفسير الفشل الاقتصادي بوصفه “ابتلاءً” أو “مؤامرة”
نقد المنهج الخطابي – لماذا يبقى الخطاب بعد سقوط الحكم؟
لو قرأنا التجربة كـ”حكم” لقلنا إنها انتهت بانفصال الجنوب 2011 وسقوط البشير 2019. لكن كـ”خطاب”، نجد أنه حقق نجاحاً مذهلاً في إعادة صياغة الهوية السودانية؛ بحيث أصبح حتى معارضو النظام يتحدثون داخل أطره المفاهيمية
في الحرب الحالية (2023-2026)، يتجلى “نفاق المؤسسة” في استدعاء هذا الخطاب مجدداً لتقديم أطراف الصراع كحماة للدين
إن هذا ليس “مرونة”، بل هو استغلال وظيفي للنص لخدمة بنية طبقية وعسكرية مهددة
شرط التحرر – نحو قراءة نقدية جديدة
إن خطاب الإسلام السياسي السوداني، بنسخته “الترابية”، يعيش حالة موت سريري سياسياً، لكن شبحه لا يزال يطارد المستقبل
إن تجاوز هذا الإرث يتطلب ما يلي
فك الارتباط بين “التجديد” و”السلطة” يجب أن يكون أي مشروع مستقبلي شفافاً بشأن علاقته بالقوة
الرقابة المجتمعية إخضاع القراءات الدينية لرقابة المجتمع من أسفل، لا لإرادة التنظيم من أعلى
الاعتراف بالتعددية اعتبار التنوع العرقي والديني أساساً بنيوياً، لا استثناءً يحتاج إلى “تأويل” أو “ذمة”
إن التحدي الراهن أمام العقل السوداني ليس في استبدال حاكم بآخر، بل في “انتزاع النص من احتكار السلطة”، وتحويله من أداة للهيمنة إلى وقود للحرية والعدالة الاجتماعية , ان نقد الخطاب جذرياً هو الخطوة الأولى والضرورية هي للتحرر منه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.