في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الدولية عقب مؤتمر برلين لإنهاء عبث «أمراء الحرب»، بدأت تطفو على سطح سلطة بورتسودان ملامح معركة “كسر عظم” إدارية وسياسية عنيفة. لم يعد الصراع المكتوم بين رئيس الوزراء المكلف، د. كامل إدريس، ووزير المالية، د. جبريل إبراهيم، مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى عملية دقيقة لـ”تحجيم” نفوذ الحركات المسلحة داخل مفاصل الدولة المالية، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل قرر الكيان المسيطر في بورتسودان التخلص من “فاتورة” جبريل السياسية والمالية؟
بعد أن وجّه جبريل وكيله “بشار” لمباشرة مهامه، سارع كامل إدريس إلى إعفائه وضم اختصاصات الوكالة إلى مجلس الوزراء..
في هذا السياق، رصدت «عين الحقيقة» سلسلة من القرارات “الفوقية” الصادرة عن مكتب رئيس الوزراء، استهدفت بشكل مباشر الدائرة الضيقة لوزير المالية. وكانت البداية بإعفاء الدكتور سيف الدولة كوكو، الأمين العام للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي، وهو أحد أبرز الكوادر المحسوبة على حركة جبريل، دون تشاور أو حتى إخطار الوزير المختص.
ولم تتوقف هذه “المذبحة الإدارية” عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل وكالة التخطيط بوزارة المالية. فبعد أن وجّه جبريل وكيله “بشار” لمباشرة مهامه، سارع كامل إدريس إلى إعفائه وضم اختصاصات الوكالة إلى مجلس الوزراء، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لانتزاع “مطبخ القرار الاقتصادي” من يد الوزارة وتحويله إلى مركز القرار داخل رئاسة الوزراء.
وتجلّت ذروة الإحراج السياسي لوزير المالية في واقعة وكيل الوزارة الحالي، عبد الله إبراهيم. فبينما رفض جبريل تجديد عقده السنوي واختار “مكي عبد الرحيم” بديلًا له، أعلن الوكيل تمرده برفض تسليم مهامه، مدعيًا أنه “ينتظر قرارًا من رئيس الوزراء”. ولا يبدو هذا التمرد إداريًا فحسب، بل يعكس واقعًا سياسيًا يشير إلى أن الوكيل يستند إلى دعم أعلى من وزيره، ما يجعل جبريل إبراهيم عمليًا وزيرًا محدود الصلاحيات داخل وزارته.
وتفتح المعلومات التي أوردها الصحفي عبد الماجد عبد الحميد، رئيس تحرير صحيفة “مصادر”، الباب أمام قراءة أعمق للمشهد. فالنظام في بورتسودان، الذي يواجه ضائقة مالية خانقة وضغوطًا خارجية لتفكيك كتائب الظل ومليشيات الحركات، يبدو أنه بدأ بالفعل في عملية “تخفيف أحمال”.
يبدو أن جبريل إبراهيم وحركته، اللذين استخدما وزارة المالية كحاضنة اقتصادية لسنوات، باتا عبئًا على توازنات المرحلة الجديدة. ويُقرأ إضعاف جبريل إداريًا كرسالة لبقية الحركات المسلحة بأن زمن “الابتزاز المالي” مقابل الولاء العسكري بدأ في التراجع..
ويبدو أن جبريل إبراهيم وحركته، اللذين استخدما وزارة المالية كحاضنة اقتصادية لسنوات، باتا عبئًا على توازنات المرحلة الجديدة. ويُقرأ إضعاف جبريل إداريًا كرسالة لبقية الحركات المسلحة بأن زمن “الابتزاز المالي” مقابل الولاء العسكري بدأ في التراجع، لصالح مركزية قرار جديدة يقودها كامل إدريس. وبينما ينشغل «كارتل بورتسودان» بتصفية حساباته، يظل المواطن السوداني هو الضحية الكبرى لغياب التنسيق الاقتصادي. إذ يؤكد صراع “إدريس -جبريل” أن السلطة هناك قائمة على تحالفات هشة، سرعان ما تتصدع مع تراجع الموارد.
وفي خضم هذا المشهد، لا يبدو أن ما يجري مجرد إعادة ترتيب إداري، بل إعادة تشكيل لخريطة النفوذ داخل السلطة، حيث تُقصى أطراف وتُستبدل بأخرى وفق ميزان القوة لا معايير الدولة. ما يحدث في بورتسودان يكشف سلطة تُدار بمنطق الغنائم لا المؤسسات، وبمعادلة الولاء لا الكفاءة.
وبين صراع الكبار وتكتيكات الإقصاء، يبرز السؤال الأخطر: هل ما يجري تفكيك حقيقي لنفوذ الحركات المسلحة، أم مجرد إعادة توزيع للسيطرة؟ وفي كل الأحوال، يدفع السودان مرة أخرى ثمن صراعات لا علاقة لها بمستقبل الدولة بقدر ما ترتبط بمن يحكمها وكيف، بينما يظل مصير جبريل إبراهيم معلقًا بين القبول بتحجيم قاسٍ أو الخروج من مشهد يُعاد تشكيله بلا رحمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.