كشفت مصادر مطلعة في بورتسودان عن خلافات حادة تشقّ الصفّ الداخلي للحركة الإسلامية السودانية والمؤتمر الوطني المحلول، تتمحور حول ملف المحكمة الجنائية الدولية وتداعياته على قيادات الحركة المطلوبة دولياً. وتكشف هذه التوترات، بحسب صحيفة “إدراك”، عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالتنظيم في أحلك مراحله، وسط حرب مدمرة تعصف بالسودان منذ أبريل 2023.
وتتركز الأزمة في مواجهة مكتومة بين القياديَّين أحمد هارون وعلي كرتي، إذ أشارت المصادر إلى ما وصفته بـ”مرونة” أبداها كرتي حيال إمكانية تسليم عدد من المطلوبين للمحكمة الجنائية، في مقدمتهم الرئيس المعزول عمر البشير ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، فضلاً عن هارون نفسه. هذا الموقف أشعل فتيل غضب هارون الذي بادر إلى وصفه بالخيانة الصريحة، مؤكداً أنه لا يعدو كونه مسعىً لتقديمه “كبش فداء” على غرار تجربة علي كوشيب الذي اختار المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية. وتحمل هذه التوترات في طياتها مخاطر امتداد إلى الميدان العسكري، لا سيما مع تقارير تربط الخلافات الأخيرة بموجة اعتقالات استهدفت عناصر من “كتيبة البراء”، إحدى التشكيلات المسلحة الموالية للتيار الإسلامي.
غير أن هذه الأزمة لا تُقرأ بمعزل عن سياقها التاريخي المتجذر في بنية الحركة الإسلامية ذاتها، التي طالما عرفت الانشقاق سلوكاً متكرراً. وتبقى المواجهة الكبرى بين البشير والشيخ حسن الترابي عام 1999 النموذج الأبرز في هذا السجل، حين انتهت المفاصلة الشهيرة باعتقالات ومواجهات دامية أفضت إلى تشظٍّ لم تتعافَ منه الحركة حتى اليوم.
وعلى الرغم من هذه الانقسامات، فإن الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أتاحت للحركة الإسلامية فرصة لإعادة تمركزها وتعزيز نفوذها في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش. إذ نجحت في اختراق مفاصل القرار العسكري والمدني في بورتسودان، وفرضت حضورها في منظومة التعبئة وإدارة الموارد، مستثمرةً في ذلك شبكة علاقاتها الدولية مع التيارات الإسلامية في المنطقة والتدفقات المالية المرتبطة بها.
بيد أن هذا التمدد جاء مصحوباً بدور موثق في تقويض مسارات السلام المتعاقبة. فمنذ اندلاع الحرب، رصد مراقبون ودبلوماسيون أجانب ضغوطاً مارستها الحركة وحلفاؤها لإجهاض مبادرات الهدنة وعرقلة مفاوضات جدة، في ظل قناعة راسخة لدى قياداتها بأن أي تسوية سياسية قد تفتح الباب أمام ملاحقات قضائية داخلية وخارجية لرموزها. وهو ما يجعل المحكمة الجنائية الدولية ورقة ضغط حية، لا في العلاقة مع المجتمع الدولي فحسب، بل في قلب الصراع الداخلي ذاته بين أجنحة التنظيم.
ويرسم هذا المشهد المركّب صورة لحركة تتمدد نفوذاً في وقت تتآكل فيه تماسكاً، وتحارب على جبهتين في آنٍ معاً: جبهة الحرب التي توظفها لإعادة الإمساك بزمام الدولة، وجبهة داخلية تتصارع فيها أجنحتها على البقاء والنجاة من المساءلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.