مواجهة ثانية

أطياف - صباح محمد الحسن

(بدأت ملامح العنف لهذه القوات تظهر منذ أول يوم دخلت فيه أم درمان، لتؤكد أنها مشحونة بتعبئة للمعارك القادمة، ما ينذر بمواجهة ثانية داخل الخرطوم. فهل عجزت القوات المسلحة عن إخراج الحركات، لذلك استعانت بقُبّة وقواته؟!)
طيف أول:
الحقيقة يرفضها الخائف من وقعها، ويشكك بها العاجز عن نفيها، ويقبلها الشجاع الذي يواجهها، ويحتكم إليها العاقل الذي يبني عليها، وتظل كما هي.
وطلب الحركة الإسلامية كفاعل حقيقي في الميدان “رضا الإمارات” يعكس حالة الأرض، ويعني أن المعارك الأخيرة رجّحت كفة الدعم السريع ميدانياً. ومع ذلك فإن الحصار الدولي المفروض على البرهان أجّج رغبة قبول التفاوض. وفي كلا الحالتين، فإن الحرب في السودان انتقلت إلى ميدان الفوضى الذي تسيطر عليه جيوش بقيادات مختلفة.
وانضمام قيادات الدعم السريع وعودة المنشقين قد يكون بداية اتفاق لكتابة نهاية القوة الميدانية، مما يهيئ مسرحاً مقبولاً دولياً تعود فيه السيطرة إلى طرفي الصراع. والنور قُبّة الذي وصل إلى الخرطوم لم يصل مستسلماً، إذ إن الخطاب العسكري نفسه سوّق له كقائد حرب (النور قُبّة وقواته). وهذا يعني أن الرجل جاء مدججاً بالسلاح والعربات القتالية، وهو مؤشر لبداية معركة جديدة قادمة، لكن مع من؟
فالعنف لهذه القوات بدأ يظهر منذ أول يوم دخلت فيه أم درمان، لتؤكد أنها مشحونة بتعبئة للمعارك القادمة، ما ينذر بمواجهة ثانية داخل الخرطوم، والتي ستكون مع قوات مناوي. هذا السيناريو ترسمه قيادة الحرب، سيما أن قوات مناوي هي التي رفضت الخروج من الخرطوم عندما أصدر قائد الجيش قراراً بإخراج جميع القوات من العاصمة، لكنها أبت الانصياع.
وأصبحت هذه القوات في نظر الحكومة عبئاً ثقيلاً على الدولة، فهي منذ البداية قاتلت كمرتزقة وليس بدافع الوطنية. فمناوي، وبصفقة مالية سرية، غادر مربع الحياد وقاتل بجانب الجيش. لكن بالرغم من أن المشتركة قاتلت في كثير من الجبهات، إلا أن نتائج الحرب بعين القيادة العسكرية في كثير من النقاط حسمها الجيش بالمسيرات والكيماوي.
بعدها بدأت الحكومة تتنصل من التزاماتها مع مناوي، الأمر الذي جعله يغادر ميدان الحرب ويغازل بعبارات السلام. وعودة مناوي الآن تؤكد أنه استشعر وجود مؤامرة تُحاك ضد قواته على الأرض بعد دخول قوات قُبّة التي دخلت الخرطوم، والتي بارحتها من قبل باختيارها وعادت إليها.
ولكن عندما تهب العاصفة وتشتعل نيران أي اشتباك، لا قدر الله، فبجانب من ستصطف قيادة الجيش؟ مع مناوي الذي حارب معها، أم مع النور قُبّة الذي يتقاسم هو والبرهان معاناة المواطن البسيط؟
عودة النور قُبّة ستكون بداية لإعادة الميدان إلى طبيعته “طرفي صراع”، ويبدأ التخلص من القوات المشتركة عبر اشتباكات قد تجعلها تخرج من العاصمة مضطرة، سيما أن المواطنين داخل الخرطوم تحديداً اشتكوا من سيطرة المشتركة على المدينة ووجودها في الشوارع وداخل الأحياء، الأمر الذي جعلهم يتخوفون من تكرار سيناريو الدعم السريع.
إذن، هل عجزت القيادة العسكرية عن إخراج قوات مناوي لذلك استعانت بقوات النور قُبّة؟
فالرجل وجوده في الدعم السريع كان سببه موسى هلال ومجلس الصحوة الواجهة الكيزانية. لذلك فإن التنظيم الذي هندس عودة قُبّة للميدان لابد أن يكون له هدف أكبر من الكسب المعنوي الذي يغذيه الهتاف الإعلامي الذي يصفق ويبارك ما يُسمى استسلاماً. فالقيادات الميدانية لا تستسلم إلا وهي في حالة ضعف. لكن أخشى أن يكون قُبّة هو مصدر القوة الوحيد الذي تستند عليه الكيزان فيما تبقى من معركة، وهذا لا يعني سوى أن الكيزان هُزموا في معركة دحر الدعم السريع، ففكروا في الاستعانة بجزء منه لمواجهة الكل.
لذلك، إن حاول قُبّة أن يدخل الميدان كمقاتل واشتبك مع المشتركة، فإن الغرض غالباً سيكون كسر شوكتها وتفتيتها. ومن زاوية متصلة، قد تستغل الفلول حساسية العلاقة بين مكوّنات دارفور المسلحة، والعداء والغبن بين الدعم السريع والحركات، وتحاول أن تخدع مناوي بتقارب موسى هلال وقُبّة المنشق، وتقنعه أن الهدف من هذه الصفقة هو إعادة ترتيب النفوذ في دارفور ومنع الدعم السريع من السيطرة المطلقة على الإقليم.
لكن إن حدث وكان قرب قُبّة من هلال والحركات مجرد تحالف ظرفي، فقد ينقلب بسرعة بسبب هشاشة العلاقة وتناقض المصالح قبل أن يقبله مناوي. فالجيش في سعيه لتوسيع نفوذه قد يجد نفسه يفتح الباب لصراعات داخلية بين الحركات وقُبّة. لذلك، فإن أي خلل في هذا التوازن قد يؤدي إلى تفجير الوضع الميداني وإعادة سيناريو المواجهة، وهذا هو مخطط الفلول الذي تسعى لتنفيذه.
طيف أخير:
لا أحد من القيادات العسكرية والإسلامية استطاع أن يرد على وجدي صالح لقوله:
“لمن يسأل أين الكيزان نقول له: هم موجودون لدينا بالمستندات وبأمر الانقلابيين يتحركون.”
لا رد، لأن قوة الحجة والمنطق الصادق دائماً تهزم أكاذيبهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.