حين يصرخ شركاء الحرب متأخرين مستشار لمناوي يقول: كلنا شركاء في معاناة الوطن والحل في المصالحة

سيف الدولة كمال

حين تتصاعد ألسنة النار، وتتمدد رقعة الجوع، ويصبح الوطن كله خيمة نزوح كبيرة، يبدأ كثيرون في مراجعة مواقفهم، أو على الأقل في إعادة صياغة خطابهم. هكذا جاء تصريح المستشار المحسوب على مني أركو مناوي، حين قال إن “كلنا شركاء في معاناة الوطن، والحل في المصالحة”، وهي عبارة تبدو في ظاهرها دعوة عاقلة، لكنها في جوهرها اعتراف متأخر بحقائق كان يمكن أن توفر على السودان كثيراً من الدماء والخراب.
نعم، كلنا شركاء في معاناة الوطن، لكن ليس بالقدر نفسه، ولا بالمسؤولية نفسها. فهناك من اكتوى بالحرب قهراً وفقداناً ونزوحاً، وهناك من ساهم في تأجيجها بخيارات سياسية وعسكرية خاطئة، ثم عاد اليوم يتحدث بلغة الحكمة بعد أن احترقت البلاد. والمساواة بين الضحية ومن غذّى الأزمة ليست عدلاً، بل محاولة ناعمة لتخفيف عبء المسؤولية السياسية والأخلاقية.
لقد كان واضحاً منذ الأيام الأولى للحرب أن خروج بعض القوى المسلحة عن موقع الحياد، وانحيازها المبكر إلى أحد أطراف النزاع، أسهم في تعقيد المشهد، وأفقد فرص الوساطة الوطنية زخماً كان يمكن البناء عليه. حين تمتلك بعض الحركات المسلحة شرعية نابعة من اتفاقات سلام سابقة، ثم تستخدم تلك المكانة لتغذية الاستقطاب بدلاً من تهدئته، فإنها تتحمل جزءاً أصيلاً من نتائج ما جرى.
مناوي ورفاقه لم يكونوا مجرد مراقبين. كانوا جزءاً من السلطة الانتقالية، وجزءاً من ترتيبات ما بعد الثورة، وكان يمكن أن يلعبوا دور الجسر بين المكونات المتصارعة، أو أن يتمسكوا بمسافة واحدة تحفظ لهم القدرة على الوساطة. لكن الانحيازات المبكرة، والحسابات الضيقة، والرغبة في تثبيت مواقع النفوذ، دفعت باتجاه آخر أكثر كلفة على الجميع.
واليوم، بعد أن اتسعت المأساة، يبدو الحديث عن المصالحة ضرورياً، بل لا مفر منه. لكن المصالحة الحقيقية لا تبدأ بالشعارات، وإنما بالمصارحة أولاً. تبدأ باعتراف واضح بأن هناك من أخطأ، ومن ساهم في تأجيج الحرب، ومن وضع مصالحه فوق مصلحة الناس. تبدأ بالاعتذار للمدن التي دمرت، وللأسر التي شُردت، وللأطفال الذين كبروا في مخيمات النزوح بدلاً من المدارس.
السودان يحتاج إلى مصالحة، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى شجاعة أخلاقية. شجاعة أن يقول كل طرف ماذا فعل، وأين أخطأ، وكيف سيمنع تكرار المأساة. أما الاكتفاء بعبارات عامة من نوع “كلنا شركاء”، فهو أشبه بتوزيع الذنب على الجميع حتى لا يتحمل أحد المسؤولية الحقيقية.
لا أحد يرفض المصالحة إذا كانت طريقاً للسلام والعدالة. لكن الشعب السوداني، الذي دفع الثمن الأكبر، من حقه أن يسمع الحقيقة كاملة، لا نصفها. ومن حقه أن يعرف من صب الزيت على النار، ومن تأخر في إطفائها، ومن جاء اليوم يصرخ بعدما التهم الحريق البيت كله.
لقد آن الأوان لأن يفهم الجميع أن الحياد في لحظة الانهيار كان فضيلة، وأن الانحياز للحرب خطيئة سياسية لا تمحوها البيانات المتأخرة. والسودان لن ينهض إلا حين يتحمل كل طرف نصيبه من المسؤولية، لا حين يذيبها في جملة إنشائية عابرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.